حوارمع صحيفة جمهرة التابعة للحزب الجمهوري السوري
حاورته: آلاء المدني
د. عبد القادر نعناع
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة شام العالمية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية
السؤال الأول: تكون المجتمعات في مرحلة ما بعد النزاع في مرحلة من الانتقال السياسي، وأمامها خطوات عليها تحقيقها لتجاوز هذه المرحلة بشكل ناجح. ما هي هذه الخطوات؟ وبرأيك ما هي الخطوات المتحققة منها في سورية اليوم؟ وما هي الملفات التي ما تزال عالقة وتعيق هذا الانتقال؟
حياكم الله، وشكراً على هذه المساحة.
آملنا كبيرة في مرحلة الانتقال السياسي، خصوصاً بعد عقود طويلة من الاستبداد، تلتها ثورة تحولت إلى نزاع مسلح داخلي وإقليمي ودولي، وهذا ما يعقد انتقالنا نحن في سورية تحديداً، في ظل ضغوط نحو تحول ديموقراطي. لذا بداية، إن عملية الانتقال السياسي لا تبدأ من صناديق الاقتراع، بل تبدأ من إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
حتى نفهم الفكرة علينا أن نقر بأن مرحلة ما بعد النزاع مرحلة بالغة الأهمية والخطورة معاً، إذ إن مسارها يحدد مستقبلنا تماماً، ونحن في سياق عربي يفرض ذاته علينا، وبالتالي نجد أن السياق العربي ذهب باتجاهات محدودة للغاية، فإما التحول نحو نظام استبدادي جديد (نكوص استبدادي)، وإما الذهاب إلى اقتتالات محلية جديدة، أو الجمع بين الاقتتال والتفتيت كما في السودان واليمن.
نحتاج هذا السياق لنفهم المشهد السوري المقبل، فلن نكون خارجه أبداً، وخصوصاً أن ثقافتنا السياسية تتفق مع سياقنا. عموماً، حتى نضبط مستقبلنا، علينا ضبط المرحلة الانتقالية، هذا الضبط، مسؤولية في ثلاثة اتجاهات، من السلطة، ومن النخب غير الحكومية، ومن المجتمع.
لنفترض أننا منطقياً نتطلع إلى مستقبل ديموقراطي (وهو افتراض آمل أن يكون صحيحاً)، وهذا الافتراض قائم على أساس أن هذا الانتقال هو الأقل كلفة والأكثر قدرة على إدارة التنوع الهوياتي وإدارة النزاعات المحلية، وأكثر استدامة لمستقبلنا. هذا يشترط كثيراً من المقدمات تبدو غائبة حتى الآن.
إذ لا يمكن الوصول إلى هذا الهدف، في ظل عدم تصالح اجتماعي سوري، هذا التصالح لن يتم قبل مسار إطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقية، تجعل الضحايا أو ذويهم مقتنعون بأن المجرمين الحقيقين ستتم محاسبتهم. أي أن شرط نسيان آلام الماضي غائب عنا حتى الآن، ما يؤدي إلى تغذية مسار عكسي يتمثل في عدالة انتقامية فردية نتيجة خيبة الأمل التي تطال الضحايا وذويهم، وبالتالي عملية التصالح المطلوبة تبتعد أكثر فأكثر نتيجة إنتاج مظلوميات جديدة، تحضّر المشهد السوري لاحتمال اندلاع عنف محلي جديد.
أما المدخل الثاني، فهو كرامة الأفراد معيشياً، فلن تستطيع الديموقراطية الانتقالية الصمود أمام حالة الفقر التي تطال غالبية السوريين (قرابة 80%)، ففيما ينشغل الأفراد في البحث عن قوت يومهم، لن يبقى لديهم أدنى اهتمام بالشأن العام، في ظل مدن بعضها يصل نسبة التهديم فيه إلى أكثر من 50%، فكيف يمكن إطلاق مسار ديموقراطي في ظل غياب الكرامة الفردية بالأساس، عدا عن وجود مئات آلاف السوريين في المخيمات، وملايين منهم في دول الشتات.
ثم إن من الاشتراطات المهمة، هي تفعيل المواطنة الإيجابية، أي تلك التي تُحمِّل المواطن ذاته مسؤولية إدارة شأنه، وبالتالي تجعله شريكاً في بناء المستقبل، وهذا يتطلب حداً مقبولاً من اللامركزية، فيما نشهد حالة ضبابية بين مركزية مفرطة في ظل نظام رئاسي مفرط، مع حالات غير مضبوطة تشريعياً من اللامركزية.
أي أن على السلطة والنخب معاً، الدفع باتجاه العدالة الانتقالية الحقيقة، ورفع مستوى المعيشية، وإطلاق مسار إعادة الإعمار التي تطال البنى التحتية والمساكن (وليس الفنادق والمشاريع الترفيهية)، وتعزيز اللامركزية، حتى نضمن أن مسار الانتقال الحالي يسير باتجاه صحيح.
بالنتيجة، لا يمكن بناء ديمقراطية فوق أنقاض العدالة، ولا فوق مجتمع يبحث عن رغيف الخبز، أو من خيم النازحين. وخطابي هنا للسلطة ذاتها، فالديموقراطية المترافقة بالعدالة هي ضمان لنا جميعاً في هذه البلاد، ولا مبرر لتأجيلها، بل علينا البدء بها ولو تدريجياً، وعلى مراحل تتفق مع سياقنا.
السؤال الثاني: ما الذي يجعل العنف يتحول من استثناء إلى سلوك معتاد في المجتمع؟ وكيف يمكن الخروج من هذه الحلقة؟
تحوّل العنف إلى سلوك معتاد أو مقبول اجتماعي، هو نتيجة ما ذكرناه، غياب العدالة الانتقالية من جهة، وضعف التشريعات القانونية أو عدم مواءمتها للتطورات من جهة ثانية، واستمرار الفساد من جهة ثالثة، وغياب الانتماء إلى المرحلة الانتقالية من جهة رابعة. كذلك الشعور لدى جماعات أو أفراداً بأن هناك استئثاراً من قبل جماعة واحدة بالسلطة والمنافع والمناصب والقرارات. أي ما يمكن التعبير عنه بأزمات الهوية والمشاركة السياسية والتوزيع والانتشار والشرعية، وهي كلها أزمات مراحل التحديث.
يضاف إلى ذلك، خطاب الكراهية المسكوت عنه، بل إن بعضه يكون من جهات إما ذات سلطة أو مقربة من السلطة، ما يعزّز حالة الانقسام الاجتماعي، ويهدم جسور التواصل بين المكونات السورية، ويدفعها لمواجهة بعضها البعض (فردياً أو جماعياً).
عدا عن الخطاب الأيديولوجي الذي يحاول إعادة بناء الهوية الثقافية السورية باتجاه متشدد، يرفض التنوع الثقافي السوري ويهدمه، ما يعزز حالة الاحتقان، وقد يدفع باتجاه أشكال معينة من العنف المحلي.
ثم إن السكوت عن العنف الفردي في العديد من الحالات، بحجة أنه موجّه تجاه "شبيحة أو فلول"، هو بشكل أو بآخر هدم لوظيفة السلطة والقانون، وإقرار بأحقية استخدام الأفراد لهذا العنف.
ولن يمكن الخروج من ذلك، إلا بضبط الخطابات، ومحاسبة المجرمين ومحاسبة الذين يلجؤون إلى ما بات يعرف بالعدالة الانتقامية.
لكن حتى لا يتحول ذلك إلى أداة تسلطية، فنحن نحتاج إلى منظومة قانونية تحمي حقوق الأفراد وحرياتهم. فوجدنا مثلاً أن بعضاً ممن يروّج لخطاب كراهية لا يحاسب عليه، في حين أن من ينتقد سلوكاً غير سوي لأحد المقربين من السلطة يمكن أن يتم توقيفه، هذه الانتقائية القانونية ستكون وبالاً على البلاد في حال لم يتم ضبطها.
وربما تكون هذه مسؤولية أكبر على السلطة ذاتها، وإن كانت مسؤولية كل القوى الأخرى.
السؤال الثالث: هناك من يرى أن المشروع السياسي للسلطة وخاصة على المستوى الداخلي غير واضح، كيف تقرأ ذلك؟ وبرأيك لماذا تعطى الأولوية للسياسة الخارجية؟
صحيح، حتى الآن لا نستطيع أن نحدد مشروعاً انتقالياً للسلطة، اقتصادياً واجتماعياً وقانونياً، وليس سياسياً فقط.
سياسياً، يبدو أن السلطة منشغلة بترسيخ البنى السلطوية أولاً، عبر كثير من الأدوات، وأبرزها الاستحواذ البيروقراطي (أي إعادة إنتاج البنية البيروقراطية بشكل يتفق مع مسارات السلطة)، وتغييب البيئة المنتجة للديموقراطية (الأحزاب، الانتخابات الحقيقية، الإعلام المستقل). لكن أدوات ذلك ما تزال غير منضبطة، ما يجعلنا أمام احتمال إنتاج استبدادية هشة في المرحلة القادمة.
أما على باقي المستويات، فلا نستطيع تحديد برنامج واضح، يمكن البناء عليه والتنبؤ بالمسارات، ومحاسبة السلطة، يترافق ذلك مع غياب الشفافية في الإنفاق العام والتوظيف وصنع السياسات. حتى إن البعض يرى أن بعض الوزارات تعمل على مسارات مضادة لوزارات أخرى، بل إن ذات الوزارة قد لا تمتلك خطة واضحة لكامل المرحلة الانتقالية.
أما في السياسية الخارجية، فلا أرى أنه أولوية، بقدر ما هي ضبط خارجي من الدول التي تشرف على عملية الانتقال، من خلال توفير أقنية أو مسارات محددة تسهم في إدارة التنافس الدولي في سورية، أو الصراع الدولي، فما نزال في مرحلة خطرة في الشرق الأوسط من هذا الصراع.
تكمن الفرصة هنا أمام السلطة الانتقالية، في الاستماع للنخب من خارج السلطة أولاً، والبحث عن كفاءات من خارج المنظومة السياسية السلطوية ثانياً، أي البدء بمسار المشاركة السياسية، وبناء برنامج واضح وشفاف وشامل لكل وزارات الدولة، وبشكل مترابط، يجعل المواطن مطمئناً ومراقباً إيجابياً لمسار مستقبله.
ذلك ممكن تدريجياً، حتى لا نقع تحت رحمة فرضية الأمن أو الحرية. كلاهما ضروري، وكلاهما بحاجة بعضهما البعض. لذا، هي دعوة للسلطة، لإعادة إنتاج ذاتها وخطابها ورؤيتها.
السؤال الرابع: من الملاحظ أن المجتمع الدولي يتعامل بانفتاح على السلطة الجديدة، كيف يمكن أن يترجم هذا الانفتاح؟ وهل سيزيد من فرص الاستقرار الداخلي؟
هنا نكمل النقطة السابقة، حيث أن الملف السوري ما يزال ملفاً دولياً، ضمن التنافس الدولي على الشرق الأوسط. ما حصل منذ عام 2023 هو صراع مباشر بين المشروعين الإسرائيلي والإيراني، ومنذ اغتيال قادات حزب الله، بدا أن الشرق "الأوسط الإيراني" يزول، لصالح فراغ استراتيجي ستسعى إسرائيل لملئه في عملية تشكيل "شرق أوسط إسرائيلي". وهنا أقصد الهيمنة الإسرائيلية عوضاً عن الإيرانية، وكان لابد من التخلص من أدوات إيران في سورية "نظام الأسد" لإطلاق حملة عسكرية واسعة على المشروع الإيراني في الشرق الأوسط وحصره داخل الجغرافي الإيرانية وهذا ما نراه حتى اليوم.
في المقابل يتبلور تنافس جديد أطرافه هي ذاتها السابقة، لكن التنافس يشتد بين تركيا وإسرائيل (القوى الإقليمية المؤثرة في الملف السوري)، فيما تكون سورية في مرحلة شد بين الطرفين.
أعتقد أن القوى الخارجية توكل للسلطة الانتقالية وظائف عديدة، منها إدارة المشهد السوري، ضمن هذا التنافس، والانفتاح هو ضرورة لأداء الوظائف المناطة بها، ومنها أيضاً مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات في سورية، والمساهمة في تصفية المشروع الإيراني في الشرق الأوسط، وإحداث استقرار إلى حين الوصول إلى تسويات دولية بخصوص المنطقة ما بعد الانتهاء من الملف الإيراني. سواءً أكانت تسويات سلمية أو غير ذلك.
هذا الانفتاح قد يشكل فرصة لتعزيز الاستقرار، لكن يتطلب اشتراطات محلية أيضاً، منها ما ذكرناه سابقاً، لناحية المشاركة السياسية والعدالة الانتقالية والتنمية الاقتصادية، وإطلاق مسار انتقال سياسي حقيقي، وهذه لا تعني القوى الخارجية، طالما أن السلطة الانتقالية قادرة على أداء الوظائف المناطة بها.
وهنا يبدو لنا أن الملف الخارجي أكثر نجاحاً، نتيجة الإرادة الدولية. وعموماً، قد تفضل بعض القوى الغربية، نظاماً قادراً على الضبط، ولو كان غير ديموقراطي، على نظام ديموقراطي يفتقد أدوات الضبط اللازمة. وهذه تتطلب موازنة أخرى بين الشرعية الداخلية والقبول الخارجي، وكلاهما ضروري للآخر.
فالاستقرار المستدام لا يتحقق بالأمن وحده ولا بالاعتراف الخارجي وحده، بل ببناء شرعية داخلية تقوم على العدالة والمشاركة والمؤسسات. وهي دعوة للسلطة لإحداث هذه الموازنة.
السؤال الخامس: في الأمس تم استكمال الثلث المكمل للمجلس التشريعي، إلى أي حد تراه يمثل السوريين؟ وما المطلوب منه بناء على الصلاحيات التي يملكها؟
هذا ملف معقد، علينا بداية الإقرار بأن طموحاتنا كسوريين بانتقال سياسي حقيقي يقودنا نحو الديموقراطية، هي أكبر من واقعنا السوري السياسي والاجتماعي والسياسي، وخصوصاً أن سياقنا الثقافي الاجتماعي لا يساعدنا على الضغط باتجاه الدمقرطة حالياً، وهذا لا يعني إلغاء الانتقال الديموقراطي، بل يفرض مسؤولية أكبر علينا لتهيئة السياق هذا.
في المقابل، ربما كان مقبولاً لفترة قصيرة في العام الأول من سقوط نظام الأسد، وجود سلطة تشريعية على هذه الشاكلة، لكن الإشكال حين يناط بهذه السلطة أن تكون حاضرة في كامل المرحلة الانتقالية المفترضة، لكنها ليست سلطة بالمعنى الحقيقي، أي أنها غير تمثيلية إذ لم ينتخبها أحد، فهي مفروضة (بشكل مباشر وغير مباشر) من السلطة التنفيذية، بل حتى إن صلاحياتها لا تتجاوز التصديق والموافقة على تشريعات السلطة التنفيذية، وهذا فعلياً يلغي دورها التشريعي والرقابي والمحاسبي، رغم وجود شخصيات داخل البرلمان القادم، قد تمتلك من الخبرات ما يكفي، لكنها لا تتشكل في برنامج سياسي حزبي أو جماعي، ولا تمتلك صلاحيات التأثير الحقيقي. عدا عن نقطة بالغة الأهمية، أن ما يجعل السلطة التشريعية منضبطة هي السلطة التي أوكلت إليها المهمة التمثيلية (أقصد المجتمع)، لكنها هنا هي السلطة التنفيذية، فالتبعية تبدو حتمية في هذا المشهد.
وأقترح على السلطات الثلاث الآن، رغم هيمنة السلطة التنفيذية عليها، أن تذهب باتجاه إحداث انتخابات شعبية مطلع العام القادم، لثلث أعضاء البرلمان، فيما ينتخب الثلث الثاني في نهايته، والثلث الثالث في نهاية المرحلة الانتقالية، وبذلك يكون لدينا مجلس تشريعي تمثيلي حقيقي، منتخب من قبل الشعب مباشرة، قادرة على نقل البلاد نحو المرحلة التالية.
آمل أن يدرك النواب مهمتهم التاريخية، وألا يكونوا مجرد موظفين عموميين للتصديق على التشريعات المحلية والاتفاقيات الدولية فقط، بل أن يدفعوا بدورهم نحو تشكيل كتل برلمانية قادرة على فرض ذاتها على السلطة التنفيذية، وفرض رؤيتها للمرحلة ما بعد الانتقالية، رغم أن هذه الرؤية غير واضحة حتى الآن. وهنا لا أقصد كتل المعارضة، بقدر ما أقصد كتلاً وطنية تراعي مصلحة البلاد أولاً وآخراً.
في الختام، مستقبلنا هو مسؤوليتنا جميعاً.
شكراً لكم مرة أخرى على هذه المساحة الواسعة من صحيفتكم.











