الفراغ الممقوت في الشرق الأوسط: انسحاب الولايات المتحدة والصراع المرتقب على الهيمنة العسكرية

ترجمة: د. عبد القادر نعناع • ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٥
كنيث م. بولاك Kenneth M. Pollack
ترجمة: د. عبد القادر نعناع

قد يبدو الأمر خيالياً، لكن المراقبين قد ينظرون قريباً إلى أواخر القرن العشرين باعتبارها فترة استقرار نسبي في الشرق الأوسط. فرغم كثرة الصراعات والفوضى، نادراً ما أدّت أعمال العنف إلى تغييرات دراماتيكية. لم تُحتَلّ دول أو تُمحَ من الخريطة بشكل كامل، وبينما تغيّر بعض الحكّام المستبدين بآخرين، لكن الحدود وحتى الأنظمة لم تشهد تحولات كبيرة. فمنذ عام 1973 توقفت معظم الدول الكبرى في المنطقة عن خوض الحروب المباشرة ضد بعضها البعض، مفضّلةً دعم الإرهاب والتمرد –وهما استراتيجيتان للضعفاء– عوضاً الهجمات التقليدية. وقد استغرق الرئيس العراقي صدام حسين والزعيم الليبي معمر القذافي وقتاً أطول لاستيعاب هذه القاعدة. بل إن صدام لم يستوعبها أبداً في الحقيقة. غير أنّهما شكّلا استثناءً يؤكد القاعدة.

ويمكن الأساس المُغفَل وراء هذا الاستقرار في ميزان قوى عسكري مختل أثبت أنه عصيّ على التغيير. فقد تكون الفوضى ظاهرة على السطح، لكنّ قاعدة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط بقيت صلبة. في أحد طرفي الطيف، وقفت الولايات المتحدة باعتبارها القوة المطلقة القادرة على هزيمة أي خصم إن شاءت توظيف ما يكفي من القوة. وجاءت إسرائيل بعدها مباشرة، إذ منحها تفوقها العسكري المذهل وإمداداتها المستمرة من السلاح الأميركي القدرة ذاتها على استخدام القوة بمرونة واسعة. أما في الطرف الآخر، فكانت الدول العربية عاجزة عن خوض حرب عصرية فعّالة حتى ضد بعضها البعض. فيما وقعت إيران وتركيا في منزلة وسطى، أقرب بكثير إلى الضعفاء منها إلى الأقوياء.

ونتيجة لهذه الفوارق، لم يقع استخدام منتظم للقوة ضد أعداء خارجيين سوى من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. ونظراً لكونهما مدافعين مخلصين عن الوضع القائم، كان سلوكهما يميل إلى المحافظة على النظام القائم أكثر من السعي إلى إعادة تشكيله. ومع ذلك، كان الاستثناء هنا أيضاً يؤكد القاعدة: فقد حاولت إسرائيل عام 1982 إعادة تشكيل لبنان، لكنها دفعت الثمن عبر 18 عاماً من حرب عصابات عقيمة. وفعلت الولايات المتحدة الأمر ذاته في العراق عام 2003، وانتهت إلى المصير نفسه.

وبالتالي، لم يشهد الشرق الأوسط حرباً كبرى تقليدية بين الدول منذ أكثر من ثلاثة عقود. وكان الاستثناء الجزئي الوحيد هو حرب لبنان عام 2006، حيث خاضت إسرائيل مواجهة مع حزب الله، الكيان الحاكم بحكم الأمر الواقع في لبنان. حتى هذه الحرب بدورها كانت استثناءً يؤكد القاعدة، إذ لم يكن أي من الطرفين راغباً في الحرب، بل انزلقت إليها إسرائيل وحزب الله، وأصيبا بدرجة من الصدمة بحيث لم يكررا أخطاءهما منذ ذلك الحين (1). 

لكن كل ذلك بدأ يتغير. ففي السنوات الأخيرة، أخذ الغلاف الصلب لميزان القوى العسكري في الشرق الأوسط يتشقق، مطلقاً أسراباً من "قوى الانتقام والفوضى Furies " في القرن الحادي والعشرين تهدد بإعادة رسم المشهد الإقليمي. ومع بروز تقنيات عسكرية ومدنية جديدة، وسعي الولايات المتحدة في تقليص دورها في الشؤون الداخلية للمنطقة، باتت دول الشرق الأوسط تجد صعوبة متزايدة في تحديد الجهة التي تمتلك اليد العليا استراتيجياً. فمن خلال إقناع الحكومات بإمكانية تحقيق النصر عبر أسلحة جديدة وغير مجرَّبة، يهدد صعود الحرب في عصر المعلومات بتدمير القواعد الجيوسياسية التي حكمت الشرق الأوسط لما يقارب نصف قرن.


الموجة المستقبلية
أشكال الحرب في تغير مستمر. فالبشرية تسعى باندفاع لا ينقطع لإيجاد وسائل جديدة لتدمير نفسها، ولا حرب تشبه سابقتها تماماً. غير أن بعض التحولات تكون عميقة الجذور، وغالباً ما تكون تلك التحولات الأوسع أثراً أعقاب التحولات الاقتصادية الكبرى، إذ إن التغيرات التكنولوجية العسكرية الأكثر أهمية تنبع بدرجة كبيرة من تطورات تكنولوجية غير عسكرية. فالسكك الحديدية، والبرق، والراديو، والطائرات، والمحركات ذات الاحتراق الداخلي، وأسرار الذرة، كان الغرض منها جميعها تطلعات مدنية، لكن بمجرد اكتشافها أو ابتكارها، سرعان ما استُخدمت في خدمة الحروب، وكانت التغيرات التي أحدثتها ثورية بحق.

وكما أعادت الثورة الصناعية تشكيل اتجاهات الحرب بشكل كامل في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تفعل الثورة المعلوماتية الأمر ذاته اليوم. وكما استغرق الأمر قرناً تقريباً لكي تدرك الجيوش حول العالم ملامح الحرب المتطوّرة في عصر الصناعة –أي كيفية خوضها على نحو صحيح، وبالتالي كيفية التنبؤ بدقة بميزان القدرات العسكرية– فإن الجيوش اليوم تحاول استيعاب كيفية خوض الحروب في عصر المعلومات. وحيث أن هناك تقنيات جديدة آخذة في الظهور، لكن لا يعلم أحد أيّها بعد سيصبح محورياً في الحرب وأيّها سيظل هامشياً.

وفي الحرب، غالباً ما تتبع التغيرات التكنولوجية العميقة مساراً ذا ثلاث مراحل، كما خلصنا أنا والخبير العسكري جاي ميشكو Jay Mischo. تبدأ التكنولوجيا الجديدة كابتكار لا يتجاوز كونه مجرد أمر غريب. خذ مثلاً الطائرات الأولى التي استُخدمت في الحرب العالمية الأولى. فقد كانت مجرد آلات واهية تُستخدم للاستطلاع. لكن سرعان ما بدأ الطيارون في حمل أسلحة لإطلاق النار على طائرات العدو، ثم قنابل لإلقائها على قواته. ورغم أن هذا لم يكن حاسماً في المعارك البرية، فإن كثيرين أدركوا إمكاناته المستقبلية.

ويؤدي هذا الإدراك إلى المرحلة الثانية، حين يُنظر غالباً إلى التقنية العسكرية الجديدة باعتبارها "الرصاصة السحرية" لحل مشكلة قائمة. ومع استمرار الحرب العالمية الأولى، بدأ يُنظر إلى القوة الجوية باعتبارها وسيلة لضرب قلب العدو مباشرةً، وقاعدته الصناعية، وسكانه، بل وحكومته. وبعد الحرب، أخذ الجنرال الإيطالي والمنظّر العسكري جوليو دوهِه Giulio Douhet هذا المفهوم إلى تطوره المنطقي (ولو كان غير العملي)، مقترحاً أن القوة الجوية يمكن أن تتجاوز تماماً مذابح الحرب البرية، بما يتيح انتصارات سريعة وحاسمة مع الحد الأدنى من الخسائر، وذلك على الأقل للطرف الذي يمتلك أكبر قوة جوية وأفضلها.

وفي النهاية، تُثبت بعض التقنيات الجديدة أنها بالغة القيمة لدرجة أنها تؤسس لمجالات قتال مستقلة بذاتها، وغالباً ما تنشأ خدمات عسكرية مكرّسة لها. فالطائرات، والغواصات، والآليات الميكانيكية بلغت جميعها هذه المرحلة الثالثة في عصر الصناعة. وأصبحت الدول بحاجة إلى قوات جوية متخصصة (حتى وإن كانت ملحقة بالقوات البرية أو البحرية) لخوض عمليات جوية مستمرة. وصارت الحرب الجوية مجالاً قتالياً قائماً بذاته، لكنها في الوقت نفسه تفاعلت بانتظام مع الحروب البرية والبحرية، ومع أنشطة الاستخبارات، والقدرات اللوجستية، والطاقة الإنتاجية، ونظم القيادة والسيطرة. وكان التفوق في الجو قادراً على أن يتحول إلى تفوق في مجالات الحرب الأخرى، في حين كان من الممكن لجوانب أخرى من القتال أن تهدد قدرة أي جيش على مواصلة عملياته الجوية. وبحلول الأيام الأولى للحرب العالمية الثانية، غدت القوة الجوية في آنٍ معاً عاملاً حاسماً بذاته، وهشّة أمام العمليات في كل الميادين الأخرى.

أما اليوم، فلا أحد يعلم أيّاً من ابتكارات الثورة المعلوماتية سيجتاز المراحل الثلاث ليؤسس لمجالات قتال حيوية جديدة. ويبدو أن التكنولوجيا السيبرانية هي المرشح الأبرز، رغم الفوائد المحدودة التي جنتها روسيا منها خلال المراحل الأولى من غزوها لأوكرانيا. ومن السهل تخيّل حرب معلوماتية متطوّرة تنطوي على معركة مستمرة بين "محاربي الفضاء السيبراني" الذين يسعون لتحطيم خصومهم وحماية أنفسهم، متنافسين على الهيمنة في الفضاء الإلكتروني. وبالتوازي، قد يسعى الجنود السيبرانيون إلى ضرب القوات الميدانية للعدو، وخطوطه اللوجستية، وإنتاجه، ونقله، ونظم القيادة والسيطرة لديه. ومن المرجح أن يكونوا هم أنفسهم عرضة لهجمات الوحدات غير الحركية kinetic units (القوات القتالية غير المباشرة). وكما فعلت الحرب الجوية، قد تجعل الحرب السيبرانية بعض أوجه الصراع القديمة أقل فعالية أو حتى بالية. فكما أطاحت القوة الجوية في نهاية المطاف بسفن القتال العظمى التي حكمت البحار لألفيات، قد تنزع الأسلحة السيبرانية عن بعض الأسلحة أو التكتيكات قيمتها. وكما في الحرب الجوية، ستجري كل هذه العمليات بشكل متزامن ومترابط مع سائر عناصر القوة العسكرية. ورغم أن هذا السيناريو يبدو مرجحاً، إلا أن الحكم النهائي عليه لا يزال سابقاً لأوانه.

غير أن بروز الحرب السيبرانية ليس التغيير التكنولوجي الوحيد المهدد بإحداث ثورة في توجهات الحرب. ففي عصر الصناعة، كان الصراع يُعرّف بمنصات ميكانيكية: الدبابات، والسفن الحربية، والطائرات، وغيرها، وما يزال هذا التصور قائماً. فعندما يسعى المحللون إلى تقييم القوة العسكرية لدولة ما أو إلى المقارنة بين طرفين في حرب، فإنهم يبادرون إلى عدّ منصاتهم تلك: كم دبابة يمتلكون؟ ومن أي نوع؟ كم طائرة؟ وكم سفينة من كل طراز؟ وكما قال عالم السياسة باري بوزن Barry Posen منذ عقود في إحدى المحاضرات: بعد الثورة الصناعية، انتقلت الجيوش من "تسليح الإنسان" إلى "تجنيد الرجال لخدمة السلاح". وهكذا أصبح السلاح أهم من المقاتل ذاته.

لكن منصات الحرب في العصر الصناعي كانت صعبة التشغيل، وصعبة الاندماج في عمليات مشتركة، وصعبة الإصلاح والصيانة، وصعبة الإنتاج. كان على الأفراد أن يكونوا بارعين للغاية في التعامل مع آلات الحرب والتكتيكات المعقدة التي نشأت لاستخدام هذه الأسلحة بأقصى فاعلية. خلقت صعوبات تشغيل هذه الأدوات وإجراء عمليات عسكرية مثلى فروقاً كبيرة في فعالية القوات المسلحة المختلفة، فبعض الجيوش —مثل الجيش الألماني في أوائل القرن العشرين، والجيش الأميركي والإسرائيلي في نصفه الثاني— كانت متفوقة في ذلك إلى حد بعيد. أما جيوش كثيرة أخرى فلم توفق أبداً في إتقان ذلك: وجيوش الدول العربية كانت الأضعف بين كل ذلك، نتيجة اعتبارات سياسية واقتصادية وثقافية متنوعة. وبحلول نهاية تلك المرحلة الزمنية، باتت معظم الأطراف تدرك هذه الفوارق جيداً.

اليوم، باتت الذخائر الجديدة تقوض أهمية المنصات العسكرية نفسها بشكل متزايد. ففي العصر الصناعي كانت معظم آلات الحرب تطلق مقذوفات خاملة —رصاصات، وقنابل، وشظايا— وهي أغبى سلاح غبي، وحتى الطوربيدات والصواريخ كانت مَوجهة بصعوبة خلال معظم تلك الحقبة. مثل هذه التكنولوجيا البدائية جعلت توظيف المنصات نفسها بأقصى فاعلية أمراً محورياً، إذ كانت المنصات هي التي تتقدم، وتتناغم، وتصيب الهدف، ومن ثمّ تقوم بنسبة 99 في المائة من العمل عملياً. ومع مرور الوقت، بدأت الذخائر الذكية —وبشكل متزايد الذخائر المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي— تقوم بكل ذلك بنفسها. لقد امتلك العالم ذخائر ذكية لما يقرب من خمسة عقود الآن، وهي تزداد تطوراً لتصبح هي المنصات المهيمنة على أي ساحة معركة.

مثال بارز على هذا الاتجاه هو مقاتلة الجيل الخامس F-35، وهي ليست متميزة في الاشتباك الجوي القريب، لكن نقدها على أساس ضعف قدرتها في الاشتباك الجوي القريب يشبه انتقاد بندقية M-16 لأنها سيئة في القتال بالحراب. فأي شخص يخطط لشن هجوم بالحراب باستخدام بنادق M-16 لا صلاحية له لقيادة المشاة في العصر الحديث، وسيكون ذلك تبديداً لقدرات تلك البندقية المذهلة بأسلوب قتال تقليدي قديم، مثلما أن الاشتباك الجوي القريب سيمثل تبديداً لقدرات F-35 المذهلة إن جرت عليها مقاييس قتال قديمة. إذ تُعدّ F-35 نظاماً متنقلاً لتوصيل وتوجيه ذخائرها: تحتوي الطائرة على مجموعة من الحساسات المتطورة، وأنظمة اتصالات قادرة على الارتباط بشبكة معقدة من مستشعرات ومُطلِقين آخرين، وعلى قدرات التخفي والحرب الإلكترونية اللازمة لاختراق دفاعات جوية حالية. لكنها ليست مقاتلة من العصر الصناعي مصممة للمناورة المعقدة لتوصيل ذخائر قاتلة؛ إذ يمكن لذخائر الطائرة إلى حد كبير أن تجد طريقها إلى الهدف بمجرد أن تضعها الطائرة ضمن نطاقها.

مزيج قدرات F-35 يمثل موجة مستقبلية أخرى في الحرب: مستشعرات متقدمة مرتبطة بذخائر بعيدة المدى متفوقة تُدَار عبر برامج متطورة لإدارة المعركة، وكل ذلك معزَّز بالذكاء الاصطناعي. في عالم من هذا النوع، ستقوم المنصات بعمل قليل نسبياً. أما الذخائر فستقوم بكل المناورات والقتل، موجهة بمعلومات مباشرة من المستشعرات ومُدارة في نهاية المطاف عبر برامج إدارة المعركة القادرة على تتبّع معلومات تفوق ما يمكن لأي إنسان أن يتعامل معه. معاً، قد تحدد هذه الأدوات الأهداف والتهديدات فورياً، وتخصص الأسلحة لتدميرها، وتطلق هذه الأسلحة، وتكرار العملية بلا توقف.


حروب الطائرات المسيّرة
تبقى مقاتلات F-35 والأسلحة المعقدة المماثلة لها باهظة الثمن للغاية، حيث أن بعض دول الشرق الأوسط الغنية بما يكفي، والملتزمة بما يكفي بدفاعها، والقريبة بما يكفي من الولايات المتحدة قادرة على اقتناء مثل هذه الأسلحة، وقد دخلت هذه المقاتلات في الخدمة في الجيش الإسرائيلي بالفعل، وستكون الإمارات العربية المتحدة التالية في الحصول عليها، وربما تلحق بها السعودية في نهاية المطاف. أما مصر والعراق والأردن فمن غير المرجح أن تحصل عليها مطلقاً. ومع ذلك، فإن هذه الدول الأقل ثراءً والأقل ارتباطاً بالولايات المتحدة يمكنها أن تحصل على طائرات مسيّرة.

تتقدم المسيّرات بسرعة لتصبح عنصراً محورياً في حروب عصر المعلومات، فكثير منها رخيص: مجرد ألعاب أطفال معدّلة تحوّلت إلى أدوات موت بطرق مشوهة. وبما أنها غير مأهولة، فهي جذابة للدول المترددة في التضحية بمواطنيها في الحروب. علاوة على ذلك، تُعد المسيّرات بحد ذاتها السلاح الأسمى لحروب المعلومات: كثير منها يمتلك مدى بعيداً، وحساسات مدمجة، وقدرات على التخفي، وإمكانية تنفيذ ضربات دقيقة. كما أن بإمكان العديد من المسيّرات الرخيصة الإفلات من تقنيات باهظة الثمن، بما في ذلك أنظمة الإنذار المبكر التقليدية ورادارات الدفاع الجوي. وهي أيضاً عصيّة على التدمير بأسلحة دفاع جوي مكلفة، ودقيقة بما يكفي لإلحاق أضرار موجعة بأهداف هشة.

ورغم أن المسيّرات ليست قادرة على كل شيء، إلا أن لديها إمكانات هائلة لتطوير قدراتها الذاتية بحيث تضاهي وربما تتفوق على إجراءات المواجهة المستقبلية، وربما إلى أجل غير مسمى. تعمل العديد من الدول على تطوير مسيّرات صغيرة جداً (Microdrones) يمكنها تفادي الكشف بسهولة أكبر، وأسراب مسيّرات قادرة على إغراق الدفاعات، بل وأسراب من المسيّرات الدقيقة الصغيرة التي تجمع بين الميزتين معاً. كما تعمل دول عدة للتغلب على نقطة ضعف أساسية في المسيّرات، وهي حاجتها إلى نوع من التوجيه من مشغّل على الأرض. حيث أن أنظمة القيادة والسيطرة المتطورة، والمسيّرات الذاتية الموجهة بالذكاء الاصطناعي، يمكن أن تقضي على هذه الثغرة، وإن كان ذلك على حساب مخاطر تسبب الخوارزميات بفوضى غير مقصودة. وقد تكبح المخاوف من الأضرار الجانبية دولة ملتزمة بالمعايير الأخلاقية العامة أو قوة مهيمنة تسعى إلى تجنب التصعيد غير المقصود، لكن مثل هذه المخاوف قد تكون بلا معنى لجماعات إرهابية عدميّة أو لدولة تخوض صراعاً وجودياً أو تسعى إلى مكاسب معتبرة.

على مدى 75 عاماً، شكّل الشرق الأوسط أكبر مختبر أسلحة في العالم، فقد اختبر جميع كبار مصنّعي السلاح أحدث آلات القتل في حروب المنطقة: من السوفييت في مصر، إلى الأميركيين في العراق، إلى الروس في سورية، والطائرات المسيّرة ليست استثناءً. فمن الأرخص بشكل صادم إلى الأغلى على الإطلاق، باتت تهيمن على الحروب في الشرق الأوسط، وتعيد تشكيل ميزان القوى العسكري فيه.

على سبيل المثال، كان يُنظر إلى الجيش التركي على أنه أقرب إلى مادة للتندر بين الخبراء. فعلى الرغم من تبجّح أنقرة بقدراته، إلا أن قواتها أظهرت في السنوات الأخيرة ضعفاً حقيقياً في مواجهة المتمردين الأكراد أو مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ثم اكتشف الأتراك المسيّرات. وكنتيجة لذلك، استعادوا قدراً كبيراً من مجدهم العثماني. ففي عام 2020، حاصر القائد الليبي المتمرّد خليفة حفتر العاصمة طرابلس، وكان من المرجح أن يسقطها عاجلاً أم آجلاً، حينها نشرت أنقرة جيشاً من المستشارين والمسيّرات مكّن الحكومة المركزية في ليبيا من تحطيم قواته وإجباره على الدخول في مفاوضات سياسية. وفي العام نفسه، شن النظام السوري هجوماً كبيراً على معقل المعارضة في إدلب مستخدماً قوة مدرعة أعيد بناؤها بمساعدة إيرانية وروسية، وهناك أيضاً هاجمت أسراب من المسيّرات التركية أعمدة الدبابات السورية أثناء تقدمها شمالاً، فحطمتها كأنها تحف أثرية متهالكة. وأخيراً، في أواخر عام 2020، مكن أسطول آخر من المسيّرات التركية أذربيجان من هزيمة القوات البرية الأرمنية في أحدث جولات القتال على إقليم ناغورنو-قره باغ المتنازع عليه (2).

وليس الأتراك وحدهم من يستفيد من المسيّرات. فقد تبنّتها إيران أيضاً، وزوّدت بها حلفاءها ووكلاءها في أنحاء الشرق الأوسط، إلى جانب المستشارين والتدريب والتوجيه. ففي سبتمبر 2019، ضربت إيران منشأة بقيق السعودية العملاقة لمعالجة النفط باستخدام نحو عشرين مسيّرة وثلاثة صواريخ كروز. تمكنت المسيّرات من الإفلات من أنظمة الدفاع الجوي الكثيفة حول الموقع، وتسببت في تعطيل ما يقارب نصف إنتاج النفط السعودي لعدة أسابيع.

ومنذ ذلك الحين، شن حلفاء إيران ووكلاؤها هجمات متكررة على القوات الأميركية في العراق وسورية باستخدام المسيّرات، كما شنوا حملة جوية مستمرة ضد السعودية، معظمها (لكن ليس كلها) نفذها الحوثيون من اليمن. كانت هذه الهجمات فعّالة بشكل لافت. ولإدراك سبب موافقة السعوديين –على مضض– على الدخول في محادثات مباشرة مع الإيرانيين في بغداد في أيار/مايو 2021، بعد سنوات من المماطلة الدبلوماسية، يكفي التذكير أنه في نيسان/إبريل 2021 وحده تعرضت السعودية لقرابة 84 هجوماً بالمسيّرات والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز أطلقها الحوثيون ووكلاء إيرانيون آخرون. ومن المهم أيضاً ملاحظة أن السعوديين لم يوافقوا على هذه المحادثات إلا بعد محاولتهم الفاشلة أولاً شراء مسيّرات تركية. وبداية من كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2022، تعرضت الإمارات العربية المتحدة بدورها لسلسلة من الهجمات الدورية بالصواريخ والمسيّرات أطلقها الحوثيون من اليمن والحشد الشعبي –مجموعة من الميليشيات– من العراق، ولا يجمع بين هذه المجموعات سوى اعتمادها المشترك على إيران (3).

قبل عشرين عاماً، كانت إيران وتركيا ضعيفتين للغاية بحيث لا تستطيعان استخدام القوة ضد جيرانهما، فبالكاد كانتا قادرتين على مواجهة معارضيهما الداخليين من البلوش والأكراد. أما اليوم، فقد أصبحتا قادرتين على استعراض قوتهما عبر الشرق الأوسط بفعالية كبيرة. إذ جمدت تركيا الحربين الأهليتين في ليبيا وسورية ]والمساهمة في إسقاط نظام الأسد في سورية عام 2025[. وخاضت إيران ربما أول حملة جوية قسرية ناجحة حقاً في التاريخ ضد السعودية، مجبرة الرياض على الجلوس إلى طاولة مفاوضات لم تكن تنوي الاقتراب منها. أما الإماراتيون، فقد واجهوا الوضع ذاته، ولم يقتصر ردهم على تقديم تنازلات استباقية للإيرانيين على المدى القصير، بل شرعوا أيضاً في بذل كل ما بوسعهم لبناء جيش من المسيّرات خاص بهم على المدى الطويل.


خروج أميركا
ليست التغيرات في التكنولوجيا العسكرية العامل الوحيد الذي يعيد تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط. فعلى مدى ما يقرب من خمسة قرون، كانت هناك دائماً قوة كبرى خارجية تضطلع بدور الهيمنة وضامن الأمن النهائي في المنطقة. فقد غزا العثمانيون معظم الشرق الأوسط في منتصف القرن السادس عشر وحكموا المنطقة لما يقارب 400 عام. وعندما سقط العثمانيون في الحرب العالمية الأولى، تولى البريطانيون الدور نفسه لنحو 50 عاماً، إلى أن تخلوا عن التزاماتهم الإمبراطورية شرق السويس عام 1968. وبعد تردد، اضطلعت الولايات المتحدة بالعبء على مدى نصف قرن تالٍ.

بدأت الولايات المتحدة في التراجع عن هذا الدور في عهد الرئيس باراك أوباما، إذ أخذت تنسحب تدريجياً من المنطقة حتى وإن أصرت إدارته على العكس. وفي عهد الرئيس دونالد ترامب، بات الخروج الأميركي أكثر وضوحاً وفوضوية، إذ تخلت واشنطن عن بعض حلفائها الإقليميين وشجعت آخرين –في كثير من الأحيان متأرجحة بين هؤلاء وأولئك بلا تمييز–. أما فريق الرئيس جو بايدن، فقد ظل يؤكد لحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أن الرئيس لا يريد الانسحاب أكثر، بل ويرغب في إعادة الانخراط بطرق معينة. ومع ذلك، فإن آلاف المطالب الأخرى التي تستنزف وقت وموارد وطاقات واشنطن تجعل تلك الرغبات بلا جدوى. فبايدن ]رغب[ في إعادة الانخراط، لكنه ]لم يمتلك[ القدرة الكافية على ذلك.

لقد خلق الخروج الأميركي فراغاً أمنيا، تسابق على ملئه أكثر القوى عنفاً وعدوانية واضطراباً، تتقدمها إيران وحلفاؤها. فمنذ مستوياتهم المتدنية عامي 2010 و2015، عقب زيادة القوات الأميركية في العراق واقتراب انهيار حليفهم السوري، أعادت طهران وحلفاؤها —من نظام الأسد في سورية إلى الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي في غزة، مروراً بميليشيات شيعية من أفغانستان والعراق وباكستان وسورية— بناء أنفسهم عبر استغلال الحروب الأهلية في المنطقة ومهاراتهم في الحروب غير التقليدية. لقد كان هذا النهج من صميم تكتيكات الجنرال الإيراني قاسم سليماني: "أرسلوا الميليشيات بدلاً من القوات النظامية"، وهو ما مكّن إيران من توسيع نفوذها في العراق ولبنان وسورية واليمن.

إن تنامي النفوذ الإيراني وتراجع الولايات المتحدة بشكل غير لائق أثار ذعر حلفاء واشنطن في المنطقة، ودفع بعضهم إلى التحالف بطرق لم تكن لتُتَصوَّر سابقاً. فقد انضمت البحرين والمغرب والسودان والإمارات العربية المتحدة إلى مصر والأردن في طي صفحة العداء مع إسرائيل من خلال توقيع اتفاقيات أبراهام. ويبدو أن السعودية ستلحق بهم، ربما بعد رحيل الملك سلمان. لقد حلّت براغماتية تقدير القوة العسكرية الإسرائيلية واستعدادها لاستخدامها ضد إيران محل الكراهية السابقة للدولة العبرية. وقد احتفى كثيرون بهذا التقارب باعتباره نهاية الصراع العربي-الإسرائيلي. لكن، حتى مع استبعاد المعاناة المستمرة للفلسطينيين، فإن مثل هذا الطرح يغفل حقيقة أن ما يتشكل هنا هو تحالف حرب هدفه النهائي عدواني لا سلمي. وفي المقابل، تجمعت قطر وتركيا ونصف ليبيا بدافع تعاطف مشترك مع جماعة الإخوان المسلمين، وهو تحالف عسكري هجين وغريب لا يربط بين أعضائه رابط استراتيجي متين.

في أعقاب الانسحاب الأميركي الطويل، باتت دول المنطقة تتصارع أكثر فأكثر، ويتوقع معظمها أن يصبح ذلك هو الوضع الطبيعي الجديد. فقد تدخل السعوديون والإماراتيون، على سبيل المثال، في الحرب الأهلية اليمنية عام 2015 لمنع توسع النفوذ الإيراني. ورغم أن تدخلهم تسبب في بروز التهديد الذي سعوا إلى منعه، إلا أنهم أقدموا على تلك الخطوة لأن الولايات المتحدة لم تفعل شيئاً إزاء مكاسب إيران الإقليمية، ولم يقدموا عليها إلا بعد مناشدات متكررة لإدارة أوباما للتصرف بدلاً منهم. كما قصفت إسرائيل أهدافاً إيرانية في سورية مئات المرات خلال العقد الماضي، ومؤخراً وجهت اهتمامها نحو ميليشيات موالية لإيران في العراق. وتخوض إيران وإسرائيل حرباً سيبرانية تصاعدت لتشمل هجمات إيرانية على مستشفيات إسرائيلية وهجمات إسرائيلية على محطات وقود إيرانية. أما القوات التركية فتقاتل وكلاء روساً وإماراتيين في ليبيا، كما ]واجهت[ النظام السوري والقوات الإيرانية في سورية.

أما الإرهاب، الذي كان شاغلاً رئيساً لواشنطن في الشرق الأوسط، فهو يتراجع تدريجياً ليصبح مشكلة ثانوية. وذلك لأن الإرهاب هو استراتيجية الضعفاء، وقد أتاح تحول أنماط الحرب في المنطقة للدول التي كانت ضعيفة سابقاً الانخراط في عمليات عسكرية أكثر تقليدية، وهو تطور مقلق لكل من الولايات المتحدة والشرق الأوسط.

ويبدو أن انسحاب الولايات المتحدة وكأنه يطلق العنان لصراع متوقع بين دول الشرق الأوسط حول من سيحل محلها في قيادة المنطقة. فبعضها مستعد للقتال بشراسة لنيل ذلك التاج، وبعضها الآخر مستعد للقتال بنفس القدر لمنع غيره –أو أي طرف كان– من الحصول عليه. وحتى لو فشل الجميع، فإن العملية ستكون دامية ومزعزعة للاستقرار، وربما تمتد نيرانها لتحرق المناطق المجاورة إن لم تلتهمها بالكامل.


ضباب الحرب
يشكل صعود التكنولوجيا الجديدة وتراجع القوة المهيمنة مزيجاً قابلاً للاشتعال. فالحروب، في نهاية المطاف، تميل إلى أن تصبح أكثر شيوعاً عندما يعجز الناس عن تقييم ميزان القوى العسكرية بدقة. ولم يكن ذلك أوضح مما هو عليه في الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الثانية. فعلى مدى 25 عاماً، من 1948 حتى 1973، اعتقدت الدول العربية أنها أقوى مما كانت عليه فعلياً، لكن خمس حروب مع إسرائيل قضت نهائياً على ذلك الوهم. ومنذ ذلك الحين، لم تحاول أي من هذه الدول تحدي إسرائيل مباشرة مرة أخرى. بل إن معظم الدول العربية كانت هزائمها ساحقة إلى درجة أن ارتداداتها السياسية بدت مهددة وجودياً، فتوقفت عملياً عن استخدام القوة العسكرية التقليدية كأداة من أدوات سياستها الخارجية.

وتقدم الحرب الإيرانية–العراقية مثالاً آخر على هذا الديناميك. ففي أثناء الصراع، طوّر الإيرانيون قدرات سمحت لهم بالانتصار في سلسلة معارك ضد العراق بين 1981 و1982. لكن طهران أساءت فهم حدود تلك القدرات، وحاولت في ست سنوات إضافية غزو العراق، لتُهزم على الأرض على يد جيش عراقي أعيد تشكيله جزئياً، وفي البحر على يد القوة البحرية الأميركية. وقد علّم ذلك الإيرانيين مدى ضعفهم الحقيقي، عندها تحولت إيران إلى تكتيكات تقلل من احتمال استدعاء رد عسكري أميركي تقليدي. ورغم أن إيران لم تتخلّ عن طموح مرشدها الأعلى الأول، روح الله خميني، بالهيمنة على المنطقة، فإنها تخلّت عن فكرة أن ذلك يمكن أن يتحقق بالقوة العسكرية التقليدية، واتجهت بدلاً من ذلك إلى التخريب، وحرب العصابات، والإرهاب، وأساليب الهجوم غير المباشرة وغير التقليدية.

أما في العراق، فقد كان صدام حسين الاستثناء الذي يثبت القاعدة. إذ هاجم الكويت عام 1990 رغم اعتقاده بأن الولايات المتحدة قد تتدخل عسكرياً لصالحها. لكن، وكما اتضح من التسجيلات والوثائق التي جُمعت بعد سقوط بغداد عام 2003، كان صدام قائداً غارقاً في الوهم يحرّف الواقع بما يخدم أهدافه. فقد حذّره المقربون منه من مواجهة الولايات المتحدة، لكنه تجاهل تحذيراتهم لأنه كان يؤمن بأن الجيش العراقي أقوى من الجيش الأميركي. لقد تطلب الأمر قائداً موهوماً مثل صدام كي يظن أن دولة عربية قادرة على مواجهة الولايات المتحدة، ولم يكن أحد غيره بهذه الدرجة من الحماقة.

خلال العقد الماضي، بدأت كل هذه اليقينيات الاستراتيجية في الانهيار. ويعود ذلك جزئياً إلى أنه لم يعد واضحاً عم من أو عن ماذا –إن وُجد– ستدافع عنه الولايات المتحدة فعلياً في الشرق الأوسط. فإن كانت الولايات المتحدة لم ترد عسكرياً على هجوم إيراني صارخ على أبقيق، القلب النابض لإنتاج النفط الخليجي وبالتالي للاقتصاد العالمي، فعلى أي تهديد سترد عسكرياً إذاً؟ هذه حالة جديدة كبرى من عدم اليقين في المشهد الاستراتيجي للشرق الأوسط.

كذلك تتهاوى يقينيات ميزان القوى العسكري القديم بفعل التحولات في التكنولوجيا العسكرية. فمن المحتم أن بعض الدول ستكون أكثر قدرة على استيعاب أدوات الحرب الجديدة من غيرها. وفي الوقت الراهن، على الأقل في الشرق الأوسط، كانت إيران وتركيا الأقدر على استثمار هذه التحولات، مستعيدتين قدراً من النفوذ العسكري الذي فقدتاه منذ قرون. غير أن المحللين والقادة ببساطة لا يعرفون أي الدول ستخرج رابحة وأيها خاسرة مع إعادة توزيع القوة عبر المنطقة. فلم يكن واضحاً مثلاً أن السويد ستغدو قوة عسكرية في القرن السابع عشر أو بروسيا في القرن الثامن عشر، ولا أنهما ستنحدران فجأة عندما حدث ذلك.

وفي أوائل القرن العشرين، بدا أن المملكة المتحدة ستكون الرابح الأكبر من التحول العسكري الذي أحدثته الثورة الصناعية. فقد قادت هذه الثورة وابتكرت معظم تطوراتها المفصلية، واخترعت العديد من أدوات الحرب الأساسية في ذلك العصر: المحرك البخاري، والغواصة، والدبابة، والبوارج الضخمة، والقطار، والمدفع الرشاش، وحاملة الطائرات، والرادار، والسونار، والمحرك النفاث، وغير ذلك. ومع ذلك، تراجعت المملكة المتحدة من أقوى قوة عسكرية في الحقبة ما قبل الصناعية إلى قوة متوسطة في العصر الصناعي. وكان سقوطها نتيجة لعجزها عن توظيف هذه الأسلحة بفعالية بقدر ما كان نتيجة للتراجع الاقتصادي.

خلاصة ذلك أن المراقبين الخارجيين ببساطة لا يعرفون أي الدول (أو الفاعلين من غير الدول) سيكون الأقدر على خوض حروب القرن الحادي والعشرين، ولن يعرفوا ذلك حتى يرى المحللون والقادة نتائج المعارك. فالتدريبات والمناورات والعقيدة العسكرية وحتى التعليم لا تكشف إلا قدراً محدوداً. وإلى أن تخوض الدول غمار القتال، يستحيل معرفة أية استعدادات ما قبل الحرب كانت الأنجع وأي طرف فهم على نحو أفضل ما تتيحه التكنولوجيا الجديدة. ومن المهم التذكير بأنه في أيار/مايو 1940، كان معظم الخبراء العسكريين حول العالم يعتقدون أن فرنسا تملك جيشاً أفضل، وأكثر استفادة من دروس الحرب العالمية الأولى، من ألمانيا، لكن نتائج المعارك أثبتت العكس.

يبدو هذا الدرس أكثر أهمية اليوم. ففي العصر الصناعي، كان المخططون قادرين على عدّ الدبابات والطائرات والسفن الحربية لكل طرف، مهما حاولت الحكومات إخفاءها. أما اليوم، فبات من شبه المستحيل قياس قدرات الجيوش على خوض حروب عصر المعلومات. وكما لاحظت المحللة العسكرية راشيل كريمر Rachel Kramer، فإن الغموض هو السمة الجوهرية للحرب السيبرانية، ما يجعل من المستحيل تقريباً معرفة القوة الحقيقية لأي طرف حتى ينتصر طرف ويُهزم آخر. ففي الفضاء السيبراني، إن اكتشفت دولة أن خصمها عثر على ثغرة، فإنها تسارع إلى سدها، ويزول تفوق الخصم، فالشفافية تعني الموت، والتخفي هو كل ما يهم. وهذا كله يجعل من الأصعب معرفة من القوي، ومن الضعيف، وإلى أي مدى تتبلور قوتهم.


العنف الناجم عن عدم اليقين
من هام 1948 حتى 1973، لم تدرك الدول العربية ضعفها الحقيقي، ولم تكن إسرائيل قد اكتشفت قوتها الفعلية بعد. وخلال السنوات الأولى من الحرب الإيرانية–العراقية، طوّر الإيرانيون قدرات جديدة غير متوقعة أخافت جيرانهم (والولايات المتحدة)، لكنهم بالغوا لاحقاً في تقدير فعالية تلك القدرات. ومنذ البداية حتى النهاية، ضخّم صدام حسين قدرات العراق العسكرية، وقادت هذه الالتباسات إلى صراعات أطول وأكثر دموية وأشد وطأة. وعلى العكس، حين أصبح ميزان القوى العسكري في المنطقة أكثر وضوحاً، تراجعت حدة وعدد الحروب في الشرق الأوسط. وكما حذر الأثينيون الميليين يوماً: "الأقوياء يفعلون ما يشاؤون، والضعفاء يعانون ما يجب أن يعانوه". سواء كان ذلك عادلاً أم لا، فقد أثبت أنه وسيلة فعالة لحفظ السلام.

أما اليوم، فهناك أسئلة أكثر من الإجابات حول الحرب. إذ إن غياب اليقين سيمنح الأمل لأولئك الذين يسعون إلى تغيير أوضاعهم بالعنف. وقد يقنع الضعفاء بأنهم أقوياء، وقد يضعف الأقوياء بطرق تستدعي تحديات غير متوقعة. وكلما اشتد ضباب الحرب على منطقة، زادت احتمالات أن تعيش أهوال الحرب. إن الفهم الواضح لميزان القوى العسكري في الشرق الأوسط، الذي كان أساس استقراره النسبي في السابق، يتفكك اليوم تحت رياح التغيرات التكنولوجية والاستراتيجية الجديدة. وعلى الجميع أن يستعدوا لإعصار من الصراعات المستقبلية في منطقة لا تحتاج إلى المزيد منها.


الحواشي:
(1) حتى أيلول/سبتمبر 2024 عندما بدأت إسرائيل بجملة عمليات عسكرية في لبنان أولاً، ضد حزب الله وقتلت العديد من قياداته بمن فيهم أمينه العام نصر الله ونائبه وقادته الرئيسون. ثم وسعت العمليات باتجاه سورية والتي كانت قائمة بالأساس طيلة فترة الثورة السورية، لكنها تصاعدت بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وما تلاها من تصعيد متبادل مع إيران وصولاً إلى حرب الأيام الـ 12 في الفترة 13 حزيران/يونيو حتى 25 حزيران/يونيو 2025، وهو ما سيؤكد عليه المقال لاحقاً. (المترجم)
(2) وهو ما تكرر في شهري تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر 2024، أثناء عملية "ردع العدوان" التي شنها مقاتلو هيئة التحرير في إدلب، وبالتنسيق مع تركيا، والتي كان سلاح المسيرات عاملاً حاسماً فيها، والتي انتهت بإسقاط نظام الأسد. (المترجم)
(3) كما كان سلاح المسيرات حاضراً في ردود الفعل الإيرانية المباشر أو عبر وكلائها الحوثيين أثناء التصعيد الإسرائيلي-الإيراني في عامي 2024 و2025. (المترجم)


المؤلف: كيث م. بولاك، زميل أول في American Enterprise Institute.
المترجم: د. عبد القادر نعناع، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة شام، حلب-سورية.

للاطلاع على النص الأصلي، انظر:
Kenneth M. Pollack, "America’s Exit and the Coming Contest for Military Supremacy", Foreign Affairs, Vol. 101, No. 3, May/June 2022, pp. 130-142.


بواسطة صفوت خان شيخوني - ماجد العلي - مصطفى ضروبة ٧ أغسطس ٢٠٢٦
النوع : مشروع تخرج الدرجة : دبلوم مهني العلوم السياسية الكلية : العلوم السياسية الجامعة : جامعة إدلب - سورية الطلاب : صفوت شيخوني، ماجد العلي، مصطفى ضروبة المشرف : د. عبد القادر نعناع التاريخ : حزيران/يونيو 2026 تهدف الدراسة إلى تحليل تحولات المواقف الإقليمية تجاه سورية بين عامي (2021-2025)، معتبرة سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024 نقطة تحول استراتيجية نقلت التنافس الإقليمي من إدارة القضية إلى هندسة النظام الجديد وتوزيع النفوذ داخله. واعتمدت على منهج دراسة الحالة والمقارنة وتحليل المضمون، مستندة إلى نظرية مركب الأمن الإقليمي ومزيج من مراجع أكاديمية ومصادر أولية حديثة لتعويض حداثة الموضوع وندرة التراكم العلمي حوله. وتكشف النتائج أن المرحلة السابقة تميزت بتعدد المسارات: تطبيع عربي حذر، واحتواء أمني، وردع ضد التمدد الإيراني، وإدارة تركية للصراع من الشمال. وبعد السقوط، برزت إعادة تموضع سريعة: تصاعد الدور التركي، ودعم سعودي-قطري للمسار الانتقالي، وانخراط إماراتي حذر، وتركيز أردني على الأمن الحدودي، مقابل تراجع النفوذ الإيراني وتبني إسرائيل سياسة أمنية أحادية تهدف لإبقاء سورية منزوعة التهديد. وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل سورية الإقليمي مرهون بقدرة الدولة الجديدة على استعادة مركز القرار الوطني، وترسيخ السيادة، وتحييد التنافس الخارجي عبر مؤسسات مستقرة
بواسطة Dr. ABD ALQADER NANAA ٦ أغسطس ٢٠٢٦
Authoritarian regimes share a common underlying mindset: the monopolization of political power and the appropriation of benefits and privileges. In this respect, they differ little from one another. Their differences lie not in their objectives, but in the instruments and mechanisms they employ to achieve them. Some authoritarian regimes prefer to broaden the distribution of patronage by expanding clientelist networks, particularly those that possess surplus resources enabling them to co-opt segments of the elite or sections of society. While this strategy may temporarily secure political acquiescence, it simultaneously raises the expectations of beneficiaries and intensifies their demands on the ruling authority. Other authoritarian regimes, especially those operating in resource-constrained environments, tend instead to rely on coercion or even outright violence, viewing repression as less costly than expanding the distribution of material benefits. Such an approach, however, further erodes their already limited legitimacy and contributes to growing social unrest and political instability. Every authoritarian regime also requires a set of "moral" justifications to legitimize its domination, regardless of the validity or sincerity of these claims. Such justifications may be nationalist, ideological, or religious in nature. Unlike totalitarian regimes, however, authoritarian systems are not necessarily committed to realizing the substantive goals embodied in these narratives; rather, these narratives function primarily as instruments of political legitimation. Other regimes manufacture an enemy—real or imagined, internal or external—in order both to mobilize public support and to justify repression and the use of force. The inclination toward authoritarianism is a characteristic of many political systems, particularly where no effective opposition forces exist that are capable of mobilizing society against the ruling authority. It is further reinforced when the prevailing political culture itself reproduces authoritarian values. Societies with a long legacy of authoritarian rule are likewise more predisposed to accepting the re-emergence of authoritarian governance, regardless of their broader cultural characteristics. Moreover, impoverished and unstable societies often display a stronger preference for effective authority than for more democratic forms of governance. In this sense, authoritarianism emerges to fill structural voids within society and subsequently derives its resilience from them: the absence of organized political forces, the absence of a democratic political culture, the absence of meaningful political participation, and the absence of security. 
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٣ أغسطس ٢٠٢٦
د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة شام العالمية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية تشهد كثير من مجتمعات ما بعد النزاع مرحلة انتقال سياسي، تشمل العديد من الخطوات المجدولة زمانياً وبرامجياً، قبل الوصول إلى المرحلة التالية. في هذه المرحلة المبكرة من الانتقال، ترتفع الآمال لدى المجتمع في التخلص من الإرث الاستبدادي، وإحداث انتقال ديموقراطي، خصوصاً في حال ترافقت هذه المرحلة بثورة سابقة أطاحت بنظام استبدادي، ويبدو أن هذا ما تشهده الحالة السورية بالغة التعقيد، والتي تتداخل فيها عوامل محلية وخارجية كثيرة. تشمل هذه المرحلة غالباً مجموعة من الإشكاليات، تتمثل في تعدّد أو غياب البرامج والقوى السياسية، وإشكاليات تتعلق بالعدالة الانتقالية، والنزعة التسلطية النكوصية، وإعادة الإعمار، وتحسين المستوى المعاشي، وإطلاق الحريات السياسية والحياة السياسية، عدا عن إشكاليات تتعلق بالنفوذ الخارجي، وسواها العديد، نحاول مناقشته في هذه الورقة. إشكاليات الانتقال الديموقراطي في الحالة السورية تعتبر مرحلة ما بعد النزاع مرحلة بالغة الأهمية والخطورة معاً، إذ إن مسارها يحدد مستقبل الدولة تماماً، ونحن في سورية نقع ضمن سياق عربي يفرض ذاته علينا، وبالتالي نجد أن السياق العربي ذهب باتجاهات محدودة للغاية، فإما التحوّل نحو نظام استبدادي جديد (نكوص استبدادي)، وإما الذهاب إلى اقتتالات محلية جديدة، أو الجمع بين الاقتتال والتفتيت كما في السودان واليمن. نحتاج هذا السياق لنفهم المشهد السوري المقبل، فلن نكون خارجه أبداً، وخصوصاً أن ثقافتنا السياسية تتفق مع سياقنا العربي. عموماً، حتى نضبط مستقبلنا، علينا ضبط المرحلة الانتقالية. هذا الضبط، مسؤولية في ثلاثة اتجاهات، من السلطة، ومن النخب غير الحكومية، ومن المجتمع. لنفترض أننا منطقياً نتطلع إلى مستقبل ديموقراطي (وهو افتراض آمل أن يكون صحيحاً)، وهو افتراض قائم على أساس أن هذا الانتقال هو الأقل كلفة والأكثر قدرة على إدارة التنوع الهوياتي وإدارة النزاعات المحلية، وأكثر استدامة وأماناً لمستقبلنا. هذا يشترط كثيراً من المقدمات التي تبدو غائبة حتى الآن. إذ لا يمكن الوصول إلى هذا الهدف، في ظل عدم تصالح اجتماعي سوري. هذا التصالح لن يتم قبل مسار إطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقي، تجعل الضحايا أو ذويهم مقتنعين بأن المجرمين الحقيقين ستتم محاسبتهم. أي أن شرط نسيان آلام الماضي (من شروط بناء الأمم بعد النزاع) غائب عنا حتى الآن، ما يؤدي إلى تغذية مسار عكسي يتمثل في عدالة انتقامية فردية نتيجة خيبة الأمل التي تطال الضحايا وذويهم، وبالتالي عملية التصالح المطلوبة تبتعد أكثر فأكثر نتيجة إنتاج مظلوميات جديدة، تحضّر المشهد السوري لاحتمال اندلاع عنف محلي جديد. أما المدخل الثاني، فهو كرامة الأفراد معيشياً، فلن تستطيع الديموقراطية الانتقالية الصمود أمام حالة الفقر التي تطال غالبية السوريين (قرابة 80%)، ففيما ينشغل الأفراد في البحث عن قوت يومهم، لن يبقى لديهم أدنى اهتمام بالشأن العام، في ظلّ مدن يصل التهديم في بعضها إلى أكثر من 50%، فكيف يمكن إطلاق مسار ديموقراطي في ظل غياب الكرامة الفردية بالأساس، عدا عن وجود مئات آلاف السوريين في المخيمات، وملايين منهم في دول الشتات. ثم إن من الاشتراطات المهمة، هي تفعيل المواطنة الإيجابية، أي تلك التي تُحمِّل المواطن ذاته مسؤولية إدارة شأنه، وبالتالي تجعله شريكاً في بناء المستقبل، وهذا يتطلب حداً مقبولاً من اللامركزية، فيما نشهد حالة ضبابية بين مركزية مفرطة في ظل نظام رئاسي مفرط، مع حالات غير مضبوطة تشريعياً من اللامركزية. أي أن على السلطة والنخب معاً، الدفع باتجاه العدالة الانتقالية الحقيقة، ورفع مستوى المعيشة، وإطلاق مسار إعادة الإعمار التي تطال البنى التحتية والمساكن (وليس الفنادق والمشاريع الترفيهية)، وتعزيز اللامركزية، وإطلاق الحياة السياسة والحريات السياسة، حتى نضمن أن مسار الانتقال الحالي يسير باتجاه صحيح. بالنتيجة، لا يمكن بناء ديمقراطية فوق أنقاض العدالة، ولا فوق مجتمع يبحث عن رغيف الخبز، أو من خيم النازحين. وخطابي هنا للسلطة ذاتها، فالديموقراطية المترافقة بالعدالة والحريات هي ضمان لنا جميعاً في هذه البلاد من أي نكوص استبدادي، ولا مبرّر لتأجيلها، بل علينا البدء بها ولو تدريجياً، وعلى مراحل تتفق مع سياقنا. إشكالية العنف في المرحلة الانتقالية إن تحوّل العنف إلى سلوك معتاد أو مقبول اجتماعي، هو نتيجة ما ذكرناه: غياب العدالة الانتقالية من جهة، وضعف التشريعات القانونية أو عدم مواءمتها للتطورات من جهة ثانية، واستمرار الفساد من جهة ثالثة، وغياب الانتماء إلى المرحلة الانتقالية من جهة رابعة. كذلك الشعور لدى جماعات أو أفراد بأن هناك استئثاراً من قبل جماعة واحدة بالسلطة والمنافع والمناصب والقرارات. أي ما يمكن التعبير عنه بأزمات الهوية والمشاركة السياسية والتوزيع والانتشار والشرعية، وهي كلها أزمات مراحل التحديث. يضاف إلى ذلك، خطاب الكراهية المسكوت عنه، ما يعزّز حالة الانقسام الاجتماعي، ويهدم جسور التواصل الممكنة بين المكونات السورية، ويدفعها لمواجهة بعضها البعض (فردياً أو جماعياً). عدا عن إشكالية الخطاب الأيديولوجي الذي يحاول إعادة بناء الهوية الثقافية السورية باتجاه متشدد، يرفض التنوع الثقافي السوري ويهدمه، ما يعزز حالة الاحتقان، وقد يدفع باتجاه أشكال معينة من العنف المحلي. ثم إن السكوت عن العنف الفردي في العديد من الحالات، بحجة أنه موجّه تجاه "شبيحة أو فلول"، هو بشكل أو بآخر هدم لوظيفة السلطة والقانون، وإقرار بأحقية استخدام الأفراد لهذا العنف. ولن يمكن الخروج من ذلك، إلا بضبط الخطابات، ومحاسبة المجرمين ومحاسبة الذين يلجؤون إلى ما بات يعرف بالعدالة الانتقامية. لكن حتى لا يتحول ذلك إلى أداة تسلطية، فنحن نحتاج إلى منظومة قانونية تحمي حقوق الأفراد وحرياتهم. وربما تكون هذه مسؤولية أكبر على السلطة ذاتها، وإن كانت مسؤولية كل القوى الأخرى. إشكالية غياب المشروع السياسي الانتقالي حتى الآن لا نستطيع أن نحدد مشروعاً انتقالياً في سورية، اقتصادياً واجتماعياً وقانونياً، وليس سياسياً فقط. سياسياً، يبدو أن السلطة منشغلة بترسيخ البنى السلطوية أولاً، عبر كثير من الأدوات، وأبرزها الاستحواذ البيروقراطي (أي إعادة إنتاج البنية البيروقراطية بشكل يتفق مع مسارات السلطة)، وتغييب البيئة المنتجة للديموقراطية (الأحزاب، الانتخابات الحقيقية، الإعلام المستقل). لكن أدوات ذلك الترسيخ السلطوي ما تزال غير منضبطة، ما يجعلنا أمام احتمال إنتاج استبدادية هشة في المرحلة القادمة. أما على باقي المستويات، فلا نستطيع تحديد برنامج عمل واضح يمكن البناء عليه، والتنبؤ بمساراته، ومحاسبة السلطة عليه. يترافق ذلك مع غياب الشفافية في الإنفاق العام والتوظيف وصنع السياسات. تكمن الفرصة هنا أمام السلطة الانتقالية، في الاستماع للنخب من خارج السلطة أولاً، والبحث عن كفاءات من خارج المنظومة السياسية السلطوية ثانياً، أي البدء بمسار المشاركة السياسية، وبناء برنامج واضح وشفاف وشامل لكل وزارات الدولة، وبشكل مترابط، يجعل المواطن مطمئناً ومراقباً إيجابياً لمسار مستقبله. ذلك ممكن تدريجياً، حتى لا نقع تحت رحمة فرضية الأمن أو الحرية، فكلاهما ضروري، وكلاهما بحاجة بعضهما البعض. لذا، هي دعوة للسلطة، لإعادة إنتاج ذاتها وخطابها ورؤيتها. ومن الضرورات أيضاً، العمل على إطلاق الحياة السياسة المترافقة مع مؤتمر حوار وطني، يُنتِج عقداً اجتماعياً متوافقاً حوله، يكون أساساً لدستور ما بعد انتقالي، ولحياة سياسية مستقرة في البلاد. الإشكال الدولي في المشهد الانتقالي ما يزال الملف السوري ملفاً دولياً، ضمن التنافس الدولي على الشرق الأوسط، فما حصل منذ عام 2023 هو صراع مباشر بين المشروعين الإسرائيلي والإيراني، ومنذ اغتيال قادات حزب الله، بدا أن الشرق "الأوسط الإيراني" يزول، لصالح فراغ استراتيجي ستسعى إسرائيل لملئه في عملية تشكيل "شرق أوسط إسرائيلي". وهنا أقصد الهيمنة الإسرائيلية عوضاً عن الإيرانية، وكان لابد من التخلص من أدوات إيران في سورية "نظام الأسد" لإطلاق حملة عسكرية واسعة على المشروع الإيراني في الشرق الأوسط وحصره داخل الجغرافي الإيرانية وهذا ما نراه حتى اليوم. في المقابل يتبلور تنافس جديد أطرافه هي ذاتها السابقة، لكن التنافس يشتد بين تركيا وإسرائيل (القوى الإقليمية المؤثرة في الملف السوري)، فيما تكون سورية في مرحلة شد بين الطرفين. أعتقد أن القوى الخارجية توكل للسلطة الانتقالية وظائف عديدة، منها إدارة المشهد السوري، ضمن هذا التنافس، وما الانفتاح الدولي عليها إلا ضرورة لأداء الوظائف المناطة به. ومن تلك الوظائف أيضاً مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات في سورية، والمساهمة في تصفية المشروع الإيراني في الشرق الأوسط، وإحداث استقرار إلى حين الوصول إلى تسويات دولية بخصوص المنطقة بأسرها ما بعد الانتهاء من الملف الإيراني، سواءً أكانت تسويات سلمية أو غير ذلك. هذا الانفتاح قد يشكل فرصة لتعزيز الاستقرار في سورية، لكنه يتطلب اشتراطات محلية أيضاً، منها ما ذكرناه سابقاً، لناحية المشاركة السياسية والعدالة الانتقالية والتنمية الاقتصادية، وإطلاق مسار انتقال سياسي حقيقي، وهذه لا تعني القوى الخارجية، طالما أن السلطة الانتقالية قادرة على أداء الوظائف المناطة بها. وهنا قد يبدو لنا أن الملف الخارجي أكثر نجاحاً، نتيجة ضبطه من الإرادة الدولية. وعموماً، قد تفضل بعض القوى الغربية، نظاماً قادراً على الضبط، ولو كان غير ديموقراطي، على نظام ديموقراطي يفتقد أدوات الضبط اللازمة. وهذه تتطلب موازنة أخرى بين الشرعية الداخلية والقبول الخارجي، وكلاهما ضروري للآخر. فالاستقرار المستدام لا يتحقق بالأمن وحده ولا بالاعتراف الخارجي وحده، بل ببناء شرعية داخلية تقوم على العدالة والمشاركة والمؤسسات. وهي دعوة للسلطة لإحداث هذه الموازنة. إشكالية السلطة التشريعية يبدو أن طموحاتنا كسوريين بانتقال سياسي حقيقي يقودنا نحو الديموقراطية، أكبر من واقعنا السوري السياسي والاجتماعي والسياسي، وخصوصاً أن سياقنا الثقافي والاجتماعي لا يساعدنا على الضغط باتجاه الدمقرطة حالياً، وهذا لا يعني إلغاء الانتقال الديموقراطي، بل يفرض مسؤولية أكبر علينا لتهيئة هذا السياق. في المقابل، ربما كان مقبولاً لفترة قصيرة في العام الأول من سقوط نظام الأسد، وجود سلطة تشريعية على هذه الشاكلة، لكن الإشكال حين يناط بهذه السلطة أن تكون حاضرة في كامل المرحلة الانتقالية المفترضة، فهي ليست سلطة تشريعية بالمعنى الحقيقي، أي إنها غير تمثيلية إذ لم ينتخبها الشعب السوري، فهي مفروضة (بشكل مباشر وغير مباشر) من السلطة التنفيذية، بل حتى إن صلاحياتها لا تتجاوز التصديق والموافقة على تشريعات السلطة التنفيذية، وهذا فعلياً يلغي دورها التشريعي والرقابي والمحاسبي، رغم وجود شخصيات داخل البرلمان القادم، قد تمتلك من الخبرات ما يكفي، لكنها لا تتشكل في برامج سياسية حزبية أو جماعية، ولا تمتلك صلاحيات التأثير الحقيقي. عدا عن نقطة بالغة الأهمية، هي أن ما يجعل السلطة التشريعية منضبطة وفعالة، طبيعة الجهة التي أوكلت إليها المهمة التمثيلية (أقصد الشعب)، لكنها هنا هي السلطة التنفيذية، فالتبعية للسلطة التنفيذية تبدو حتمية في هذا المشهد. وأقترح على السلطات الثلاث، رغم هيمنة السلطة التنفيذية عليها، أن تذهب باتجاه إحداث انتخابات شعبية مطلع العام القادم، لثلث أعضاء البرلمان، فيما يُنتّخب الثلث الثاني في نهايته، والثلث الثالث في نهاية المرحلة الانتقالية، وبذلك يكون لدينا مجلس تشريعي تمثيلي حقيقي، منتخب من قبل الشعب مباشرة، قادرة على نقل البلاد نحو المرحلة التالية. وعلى النواب بدورهم، إدراك حجم مهمتهم التاريخية، وألا يكونوا مجرد موظفين عموميين للتصديق على التشريعات المحلية والاتفاقيات الدولية فقط، بل أن يدفعوا بدورهم نحو تشكيل كتل برلمانية قادرة على فرض ذاتها على السلطة التنفيذية، وفرض رؤيتها للمرحلة ما بعد الانتقالية، رغم أن هذه الرؤية غير واضحة حتى الآن. لا تعتبر هذه وحدها إشكاليات المرحلة الانتقالية في سورية، بل ربما أكثرها إلحاحاً، وهذه طبيعة المراحل الانتقالية في كثير من الحالات الدولية السابقة. لكن الركون إلى هذه الإشكاليات أو تجاوزها، قد يؤسس لبنيان هش غير قادر على الصمود أمام التحديات المستمرة في البيئة شرق الأوسطية، ما يتطلب منا جميعاً التكاتف لبناء مستقبلنا المشترك كما نرغب به.  منشور في مجلة الوعي السوري الصادرة عن الحركة الوطنية السورية العدد 43، آب/أغسطس 2026، ص 18-21
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٢ أغسطس ٢٠٢٦
تتشارك الأنظمة التسلطية بذات العقلية: الاستئثار بالسلطة والاستحواذ على المنافع، وهي لا تختلف فيما بينها حول هذه العقلية. لكنها تختلف في أدواتها ووسائل تحقيقها. إذ تفضل بعض الأنظمة التسلطية توسيع دائرة توزيع المنافع (توسيع الزبونية)، وخصوصاً تلك التي تمتلك فائضاً من الموارد، تستطيع من خلاله استرضاء بعض النخب أو فئات من الشعب، لكنه يزيد من تطلعات هذه الفئات وضغطها على السلطة. لذا تفضل أخرى اللجوء إلى القمع أو العنف حتى، وتعتبره أقل كلفة من توسيع عملية التوزيع، وخاصة في الدول ذات الموارد المحدودة، لكن ذلك يؤدي إلى تآكل الشرعية المحدودة أساساً، ويدفع نحو مزيد من الاضطرابات المجتمعية. ويحتاج كل نظام تسلطي إلى مبررات "أخلاقية" لتبرير تسلّطه، بغض النظر عن سلامة هذه المبررات، فقد تكون قومية، أو أيديولوجية، أو دينية، لكن لا يشترط أن يكون معنياً فعلياً بتحقيق هذه الغايات كما تفعل الأنظمة الشمولية، إنما هي مبررات لا أكثر. فيما تلجأ أخرى إلى صناعة عدو (حقيقي أو متخيل، داخلي أو خارجي)، بغرض التحشيد من جهة وتبرير القمع والعنف من جهة ثانية. إن الميل إلى التسلط هو طبيعة كثير من الأنظمة، خصوصاً إن لم تجد قوى سياسية مناهضة لها وقادرة على حشد الشارع خلفها، وأيضاً إن كانت الثقافة المحلية منتِجة هي بذاتها للاستبداد. كما أن المجتمعات التي لديها إرث استبدادي طويل هي أكثر ميلاً لتقبل إنتاج استبداد جديد، بغض النظر عن طبيعتها الثقافية أيضاً، عدا عن ميل المجتمعات الفقيرة والمضطربة إلى السلطة الأقوى منها إلى السلطة الأكثر ديموقراطية. أي إن الاستبداد يأتي لملء فراغات في المجتمع، ويتغذى على هذه الفراغات: فراغ وجود قوى سياسية منظمة، وفراغ ثقافي ديموقراطي، وفراغ مشاركة سياسية فعالة، وفراغ في الأمن.
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٢٦ يوليو ٢٠٢٦
د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية في جامعة الشام العالمية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية تشهد منطقة شرق المتوسط، تحديات أمنية مستمرة، مرتبطة بكثير من العوامل، مُنتِجة تداعيات على كامل الإقليم، ومنه سيولة أو هشاشة الحدود داخل المنطقة، وتحوّلها إلى مساحات لإدارة النفوذ والتهريب وحركة السلاح والمقاتلين. ومما يعقّد هذا الإشكالية تعدّد الفاعلين المحليين والخارجيين ذوي المصالح المرتبطة بتلك الهشاشة، ما يوجب على دول المنطقة ابتكار خطط أمنية جديدة، وتطوير مؤسساتها المشتركة، ومصالحها المستحدثة في تحويل المنطقة إلى ممرّات دولية للطاقة والتجارة العالمية. وتقع سورية في قلب هذه الهشاشة الحدودية، باعتبارها حلقة الوصل بين كافة دول شرق المتوسط من جهة، والعراق والخليج وتركيا من جهة ثانية، أي أنها معنية مباشرة بالتهديدات الأمنية في المنطقة، وبالفرص الواعدة في الممرات الدولية. عوامل هشاشة الحدود كثيرة هي عوامل هشاشة الحدود في منطقة الشرق الأوسط، بدءاً من مشكلة تراجع سيادة بعض دول الإقليم، مروراً بالتدخلات الإقليمية والدولية، إلى جانب عوامل جغرافية واقتصادية. ستزداد هذه المشكلة مع الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي ساهم في توسيع حركة المقاتلين الأجانب والإرهابيين (جزء منها بإشراف من دول المنطقة ذاتها) للتنقل عبر الحدود التي ما عادت مضبوطة. لكن تداعي هذه الحدود، سيصبح أكثر إشكالية بعد الثورة السورية، التي أفقدت الحكومة السورية كثيراً من سيادتها على هذه الحدود، في الاتجاهات جميعها، وأتاحت للعديد من دول الإقليم التدخل عبر وكلائها أو بشكل مباشر لتحقيق مشاريعها. عدا عن أنّ هذا الفراغ أتاح للجماعات الإرهابية، والميليشيات الأجنبية، والتجارة غير الشرعية، والنزعات الانفصالية ذات البعد القومي، بل وحتى بعض الدول الإقليمية والقوى الدولية، الحركة بشكل أكثر يسراً. وبما أن الحدود السورية مشتركة مع كافة دول الإقليم، فإن المشكلة تزداد تعقيداً، حيث أن لكل جزئية منها خصوصيته، إذ تفرض تركيا رقابة صارمة على حدودها مع سورية بناء على مخاوف أمنية تدفعها للتحرك داخل الأراضي السورية، فيما تبدو الحدود العراقية مع سورية أكثر تحدياً نتيجة طولها من جهة، ووجود الجماعات الإرهابية والميليشيات على جانبي الحدود في بعض تلك المناطق الصحراوية. وتبقى الحدود السورية اللبنانية الأكثر اضطراباً، نتيجة عدم استكمال الترسيم في بعضها، ووعورتها الجبلية، وتداخلها السكاني، وطالما كانت معابر مهمة لميليشيا حزب الله لحركة المقاتلين وتهريب السلاح تحت رعاية نظام الأسد وإيران. فيما تبدو الحدود الأردنية الأقل إشكالية، لكنها أيضاً تشهد حركة لتجار المخدرات باتجاه دول الخليج العربي. بدروه، يساهم الاحتلال الإسرائيلي لمناطق حدودية سورية في تحفيز حركة الجهاديين بدوره. أي أن طول الحدود وطبيعتها الجغرافية، إلى جانب طبيعة النزاعات الإقليمية في الشرق الأوسط تفرض ذاتها كتحدٍ أمني حقيقي، وهذا ما يجعل ضبط هذه الحدود تحدياً أمنياً يحتاج إلى معالجات فعّالة. إدارة هذا التحدي، تتطلب كثيراً من العوامل، ربما من أبرزها استقرار حكومات المنطقة وقدرتها على فرض سيادتها على هذه الحدود، على أن يترافق ذلك بترسيمها بشكل كامل، وتشكيل لجان أمنية إقليمية مشتركة قادرة على تبادل المعلومات الأمنية حول التهديدات المحتملة، وتسيير دوريات مشتركة، واستخدام تقنيات مراقبة حديثة. وهناك عوامل أخرى، تبقى مهمة، وخصوصاً المتعلقة بتنمية المناطق الحدودية وتطوير اقتصاداتها، لدفعها بعيداً عن التجارة غير الشرعية. حدود غير مسيطر عليها، وفاعلون متعددون تعتبر هاتان المشكلتان مترابطتين، فرغم توسيع السلطة السورية الانتقالية سيطرتها على غالبية الأراضي السورية، إلا أن جزءاً من تلك المناطق ما يزال خارج سيطرتها، مع افتقارها لتعاون إقليمي شامل، وقدرات تقنية وعسكرية متطورة لإدارة الحدود. ومن جهة أخرى، تبرز مشكلة تعدّد الفاعلين كعامل أقل مما كان عليه قبل عام 2024، إذ ما تزال تركيا تمتلك حرية في التحرك العسكري على امتداد جزء مهم من الحدود الشمالية من جهة (بالتنسيق مع السلطات السورية)، فيما تقع مسؤولية ضبط الحدود في بعض المناطق الشرقية ضمن ترتيبات أمنية مشتركة مع قسد، ما يتطلب استكمال دمج البنى الأمنية والعسكرية بين الطرفين. ارتباط هذين العاملين معاً، يعقّد مشكلة الحدود، ويضع عبئاً أكبر على السلطات السورية الانتقالية، إذ يحتاج الأمر في الأساس إلى إدارة سورية موحدة قادرة على تطبيق برنامج متكامل. يرتبط هذان العاملان أيضاً، لناحية ضرورة التنسيق مع دول الجوار لمواجهة التحديات المشتركة والمتمثلة في شبكات التهريب والجماعات المسلحة والاقتصاد غير الرسمي وسواها من التحديات التي تضعف قدرة السلطات السورية على ضبط حدودها. قيود التنافس الدولي في شرق المتوسط تبقى الجغرافيا السورية مجالاً لتقاطع النفوذ الإقليمي أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، وخصوصاً أن منطقة شرق المتوسط ما تزال تشهد نزاعات إقليمية غير محسومة، تستخدم هذه الجغرافيا لفرض مشاريعها الإقليمية، ما يحمّل السلطات السورية أعباء إضافية في ضبط هذه الحدود. ويمكن للخطط الأمنية الإقليمية المساهمة في ضبط حدود المنطقة، وإن كانت بحاجة إلى مزيد من التطوير من جهة، والتعاون الإقليمي من جهة أخرى. لكنها قد لا تستطيع إنهاء التدخلات الدولية التي تفرض على المنطقة أن تكون ساحة للتنافس والنزاع الإقليمي والدولي. وذلك يبدو أكثر إشكالية، حيث إن الجغرافيا السورية تقع بين مشاريع متنافسة (تركيا، إسرائيل، الولايات المتحدة، روسيا، مع تراجع إيراني واضح)، ما يجعل سورية ولبنان عموماً، ساحة للتنافس الإقليمي، عدا عن سياسات إسرائيل التوسعية المستمرة في كلتا الدولتين. صحيح أن إعادة بناء المؤسسات السورية سيمنح السلطات السورية مزيداً من القدرة على إدارة ملفاتها الحدودية، لكن المنطقة بأسرها ما تزال في قلب التنافس الخارجي، والذي يمتلك العديد من أطرافه وكلاء داخل هذه الجغرافيا، ما يجعل مستقبل المنطقة بدوره مرتبطاً بمسارات هذا التنافس (سلمي، نزاع عبر الوكلاء، نزاع مباشر، إعادة رسم الجغرافيا)، وهو مستقبل على المدى المنظور، متعلق بتطورات التصعيد العسكري الأمريكي-الإيراني، التي قد يعقبها العودة إلى شرق المتوسط، لفرض أشكال جديدة من النفوذ فيه. أي أن تفكيك شبكات النفوذ، أمر مرتبط بفرض السيادة وإعادة بناء المؤسسات، لكنه مرتبط كذلك بالتنافس الدولي في الإقليم. هذا التنافس الذي بدأ يأخذ أشكالاً عدة، منها تنافس الهيمنة السياسية والعسكرية، وأخرى تتعلق بالتنافس على ممرات الطاقة والتجارة، وثالثة على إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي. ختاماً ، وفيما تتعدد العوامل التي تشكّل تهديداً أمنياً مستمراً في المنطقة، سواء لناحية ضعف بعض حكوماتها، أو غياب التنسيق المشترك بينها، أو تعدد الفاعلين الدوليين ودون الدولتيين، واستمرار نزاعات الهيمنة فيما بينهم في المنطقة، إلا أن الفرص المستحدثة في تحويل المنطقة إلى ممرات دولية للتجارة العالمية وللطاقة، قد تشكل حافزاً مهماً لحكومات المنطقة وشركائهم الدوليين، في ضبط تلك الحدود وتنميتها، لكن هذا يتطلب مستويات عليا من الضبط، وفي المقام الأول إرادة سياسية مشتركة بين دول الإقليم. منشور في موقع الحركة الوطنية السورية
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٢٦ يوليو ٢٠٢٦
حاورته: آلاء المدني د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة شام العالمية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية السؤال الأول: تكون المجتمعات في مرحلة ما بعد النزاع في مرحلة من الانتقال السياسي، وأمامها خطوات عليها تحقيقها لتجاوز هذه المرحلة بشكل ناجح. ما هي هذه الخطوات؟ وبرأيك ما هي الخطوات المتحققة منها في سورية اليوم؟ وما هي الملفات التي ما تزال عالقة وتعيق هذا الانتقال؟ حياكم الله، وشكراً على هذه المساحة. آملنا كبيرة في مرحلة الانتقال السياسي، خصوصاً بعد عقود طويلة من الاستبداد، تلتها ثورة تحولت إلى نزاع مسلح داخلي وإقليمي ودولي، وهذا ما يعقد انتقالنا نحن في سورية تحديداً، في ظل ضغوط نحو تحول ديموقراطي. لذا بداية، إن عملية الانتقال السياسي لا تبدأ من صناديق الاقتراع، بل تبدأ من إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. حتى نفهم الفكرة علينا أن نقر بأن مرحلة ما بعد النزاع مرحلة بالغة الأهمية والخطورة معاً، إذ إن مسارها يحدد مستقبلنا تماماً، ونحن في سياق عربي يفرض ذاته علينا، وبالتالي نجد أن السياق العربي ذهب باتجاهات محدودة للغاية، فإما التحول نحو نظام استبدادي جديد (نكوص استبدادي)، وإما الذهاب إلى اقتتالات محلية جديدة، أو الجمع بين الاقتتال والتفتيت كما في السودان واليمن. نحتاج هذا السياق لنفهم المشهد السوري المقبل، فلن نكون خارجه أبداً، وخصوصاً أن ثقافتنا السياسية تتفق مع سياقنا. عموماً، حتى نضبط مستقبلنا، علينا ضبط المرحلة الانتقالية، هذا الضبط، مسؤولية في ثلاثة اتجاهات، من السلطة، ومن النخب غير الحكومية، ومن المجتمع. لنفترض أننا منطقياً نتطلع إلى مستقبل ديموقراطي (وهو افتراض آمل أن يكون صحيحاً)، وهذا الافتراض قائم على أساس أن هذا الانتقال هو الأقل كلفة والأكثر قدرة على إدارة التنوع الهوياتي وإدارة النزاعات المحلية، وأكثر استدامة لمستقبلنا. هذا يشترط كثيراً من المقدمات تبدو غائبة حتى الآن. إذ لا يمكن الوصول إلى هذا الهدف، في ظل عدم تصالح اجتماعي سوري، هذا التصالح لن يتم قبل مسار إطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقية، تجعل الضحايا أو ذويهم مقتنعون بأن المجرمين الحقيقين ستتم محاسبتهم. أي أن شرط نسيان آلام الماضي غائب عنا حتى الآن، ما يؤدي إلى تغذية مسار عكسي يتمثل في عدالة انتقامية فردية نتيجة خيبة الأمل التي تطال الضحايا وذويهم، وبالتالي عملية التصالح المطلوبة تبتعد أكثر فأكثر نتيجة إنتاج مظلوميات جديدة، تحضّر المشهد السوري لاحتمال اندلاع عنف محلي جديد. أما المدخل الثاني، فهو كرامة الأفراد معيشياً، فلن تستطيع الديموقراطية الانتقالية الصمود أمام حالة الفقر التي تطال غالبية السوريين (قرابة 80%)، ففيما ينشغل الأفراد في البحث عن قوت يومهم، لن يبقى لديهم أدنى اهتمام بالشأن العام، في ظل مدن بعضها يصل نسبة التهديم فيه إلى أكثر من 50%، فكيف يمكن إطلاق مسار ديموقراطي في ظل غياب الكرامة الفردية بالأساس، عدا عن وجود مئات آلاف السوريين في المخيمات، وملايين منهم في دول الشتات. ثم إن من الاشتراطات المهمة، هي تفعيل المواطنة الإيجابية، أي تلك التي تُحمِّل المواطن ذاته مسؤولية إدارة شأنه، وبالتالي تجعله شريكاً في بناء المستقبل، وهذا يتطلب حداً مقبولاً من اللامركزية، فيما نشهد حالة ضبابية بين مركزية مفرطة في ظل نظام رئاسي مفرط، مع حالات غير مضبوطة تشريعياً من اللامركزية. أي أن على السلطة والنخب معاً، الدفع باتجاه العدالة الانتقالية الحقيقة، ورفع مستوى المعيشية، وإطلاق مسار إعادة الإعمار التي تطال البنى التحتية والمساكن (وليس الفنادق والمشاريع الترفيهية)، وتعزيز اللامركزية، حتى نضمن أن مسار الانتقال الحالي يسير باتجاه صحيح. بالنتيجة، لا يمكن بناء ديمقراطية فوق أنقاض العدالة، ولا فوق مجتمع يبحث عن رغيف الخبز، أو من خيم النازحين. وخطابي هنا للسلطة ذاتها، فالديموقراطية المترافقة بالعدالة هي ضمان لنا جميعاً في هذه البلاد، ولا مبرر لتأجيلها، بل علينا البدء بها ولو تدريجياً، وعلى مراحل تتفق مع سياقنا. السؤال الثاني: ما الذي يجعل العنف يتحول من استثناء إلى سلوك معتاد في المجتمع؟ وكيف يمكن الخروج من هذه الحلقة؟ تحوّل العنف إلى سلوك معتاد أو مقبول اجتماعي، هو نتيجة ما ذكرناه، غياب العدالة الانتقالية من جهة، وضعف التشريعات القانونية أو عدم مواءمتها للتطورات من جهة ثانية، واستمرار الفساد من جهة ثالثة، وغياب الانتماء إلى المرحلة الانتقالية من جهة رابعة. كذلك الشعور لدى جماعات أو أفراداً بأن هناك استئثاراً من قبل جماعة واحدة بالسلطة والمنافع والمناصب والقرارات. أي ما يمكن التعبير عنه بأزمات الهوية والمشاركة السياسية والتوزيع والانتشار والشرعية، وهي كلها أزمات مراحل التحديث. يضاف إلى ذلك، خطاب الكراهية المسكوت عنه، بل إن بعضه يكون من جهات إما ذات سلطة أو مقربة من السلطة، ما يعزّز حالة الانقسام الاجتماعي، ويهدم جسور التواصل بين المكونات السورية، ويدفعها لمواجهة بعضها البعض (فردياً أو جماعياً). عدا عن الخطاب الأيديولوجي الذي يحاول إعادة بناء الهوية الثقافية السورية باتجاه متشدد، يرفض التنوع الثقافي السوري ويهدمه، ما يعزز حالة الاحتقان، وقد يدفع باتجاه أشكال معينة من العنف المحلي. ثم إن السكوت عن العنف الفردي في العديد من الحالات، بحجة أنه موجّه تجاه "شبيحة أو فلول"، هو بشكل أو بآخر هدم لوظيفة السلطة والقانون، وإقرار بأحقية استخدام الأفراد لهذا العنف. ولن يمكن الخروج من ذلك، إلا بضبط الخطابات، ومحاسبة المجرمين ومحاسبة الذين يلجؤون إلى ما بات يعرف بالعدالة الانتقامية. لكن حتى لا يتحول ذلك إلى أداة تسلطية، فنحن نحتاج إلى منظومة قانونية تحمي حقوق الأفراد وحرياتهم. فوجدنا مثلاً أن بعضاً ممن يروّج لخطاب كراهية لا يحاسب عليه، في حين أن من ينتقد سلوكاً غير سوي لأحد المقربين من السلطة يمكن أن يتم توقيفه، هذه الانتقائية القانونية ستكون وبالاً على البلاد في حال لم يتم ضبطها. وربما تكون هذه مسؤولية أكبر على السلطة ذاتها، وإن كانت مسؤولية كل القوى الأخرى. السؤال الثالث: هناك من يرى أن المشروع السياسي للسلطة وخاصة على المستوى الداخلي غير واضح، كيف تقرأ ذلك؟ وبرأيك لماذا تعطى الأولوية للسياسة الخارجية؟ صحيح، حتى الآن لا نستطيع أن نحدد مشروعاً انتقالياً للسلطة، اقتصادياً واجتماعياً وقانونياً، وليس سياسياً فقط. سياسياً، يبدو أن السلطة منشغلة بترسيخ البنى السلطوية أولاً، عبر كثير من الأدوات، وأبرزها الاستحواذ البيروقراطي (أي إعادة إنتاج البنية البيروقراطية بشكل يتفق مع مسارات السلطة)، وتغييب البيئة المنتجة للديموقراطية (الأحزاب، الانتخابات الحقيقية، الإعلام المستقل). لكن أدوات ذلك ما تزال غير منضبطة، ما يجعلنا أمام احتمال إنتاج استبدادية هشة في المرحلة القادمة. أما على باقي المستويات، فلا نستطيع تحديد برنامج واضح، يمكن البناء عليه والتنبؤ بالمسارات، ومحاسبة السلطة، يترافق ذلك مع غياب الشفافية في الإنفاق العام والتوظيف وصنع السياسات. حتى إن البعض يرى أن بعض الوزارات تعمل على مسارات مضادة لوزارات أخرى، بل إن ذات الوزارة قد لا تمتلك خطة واضحة لكامل المرحلة الانتقالية. أما في السياسية الخارجية، فلا أرى أنه أولوية، بقدر ما هي ضبط خارجي من الدول التي تشرف على عملية الانتقال، من خلال توفير أقنية أو مسارات محددة تسهم في إدارة التنافس الدولي في سورية، أو الصراع الدولي، فما نزال في مرحلة خطرة في الشرق الأوسط من هذا الصراع. تكمن الفرصة هنا أمام السلطة الانتقالية، في الاستماع للنخب من خارج السلطة أولاً، والبحث عن كفاءات من خارج المنظومة السياسية السلطوية ثانياً، أي البدء بمسار المشاركة السياسية، وبناء برنامج واضح وشفاف وشامل لكل وزارات الدولة، وبشكل مترابط، يجعل المواطن مطمئناً ومراقباً إيجابياً لمسار مستقبله. ذلك ممكن تدريجياً، حتى لا نقع تحت رحمة فرضية الأمن أو الحرية. كلاهما ضروري، وكلاهما بحاجة بعضهما البعض. لذا، هي دعوة للسلطة، لإعادة إنتاج ذاتها وخطابها ورؤيتها. السؤال الرابع: من الملاحظ أن المجتمع الدولي يتعامل بانفتاح على السلطة الجديدة، كيف يمكن أن يترجم هذا الانفتاح؟ وهل سيزيد من فرص الاستقرار الداخلي؟ هنا نكمل النقطة السابقة، حيث أن الملف السوري ما يزال ملفاً دولياً، ضمن التنافس الدولي على الشرق الأوسط. ما حصل منذ عام 2023 هو صراع مباشر بين المشروعين الإسرائيلي والإيراني، ومنذ اغتيال قادات حزب الله، بدا أن الشرق "الأوسط الإيراني" يزول، لصالح فراغ استراتيجي ستسعى إسرائيل لملئه في عملية تشكيل "شرق أوسط إسرائيلي". وهنا أقصد الهيمنة الإسرائيلية عوضاً عن الإيرانية، وكان لابد من التخلص من أدوات إيران في سورية "نظام الأسد" لإطلاق حملة عسكرية واسعة على المشروع الإيراني في الشرق الأوسط وحصره داخل الجغرافي الإيرانية وهذا ما نراه حتى اليوم. في المقابل يتبلور تنافس جديد أطرافه هي ذاتها السابقة، لكن التنافس يشتد بين تركيا وإسرائيل (القوى الإقليمية المؤثرة في الملف السوري)، فيما تكون سورية في مرحلة شد بين الطرفين. أعتقد أن القوى الخارجية توكل للسلطة الانتقالية وظائف عديدة، منها إدارة المشهد السوري، ضمن هذا التنافس، والانفتاح هو ضرورة لأداء الوظائف المناطة بها، ومنها أيضاً مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات في سورية، والمساهمة في تصفية المشروع الإيراني في الشرق الأوسط، وإحداث استقرار إلى حين الوصول إلى تسويات دولية بخصوص المنطقة ما بعد الانتهاء من الملف الإيراني. سواءً أكانت تسويات سلمية أو غير ذلك. هذا الانفتاح قد يشكل فرصة لتعزيز الاستقرار، لكن يتطلب اشتراطات محلية أيضاً، منها ما ذكرناه سابقاً، لناحية المشاركة السياسية والعدالة الانتقالية والتنمية الاقتصادية، وإطلاق مسار انتقال سياسي حقيقي، وهذه لا تعني القوى الخارجية، طالما أن السلطة الانتقالية قادرة على أداء الوظائف المناطة بها. وهنا يبدو لنا أن الملف الخارجي أكثر نجاحاً، نتيجة الإرادة الدولية. وعموماً، قد تفضل بعض القوى الغربية، نظاماً قادراً على الضبط، ولو كان غير ديموقراطي، على نظام ديموقراطي يفتقد أدوات الضبط اللازمة. وهذه تتطلب موازنة أخرى بين الشرعية الداخلية والقبول الخارجي، وكلاهما ضروري للآخر. فالاستقرار المستدام لا يتحقق بالأمن وحده ولا بالاعتراف الخارجي وحده، بل ببناء شرعية داخلية تقوم على العدالة والمشاركة والمؤسسات. وهي دعوة للسلطة لإحداث هذه الموازنة. السؤال الخامس: في الأمس تم استكمال الثلث المكمل للمجلس التشريعي، إلى أي حد تراه يمثل السوريين؟ وما المطلوب منه بناء على الصلاحيات التي يملكها؟ هذا ملف معقد، علينا بداية الإقرار بأن طموحاتنا كسوريين بانتقال سياسي حقيقي يقودنا نحو الديموقراطية، هي أكبر من واقعنا السوري السياسي والاجتماعي والسياسي، وخصوصاً أن سياقنا الثقافي الاجتماعي لا يساعدنا على الضغط باتجاه الدمقرطة حالياً، وهذا لا يعني إلغاء الانتقال الديموقراطي، بل يفرض مسؤولية أكبر علينا لتهيئة السياق هذا. في المقابل، ربما كان مقبولاً لفترة قصيرة في العام الأول من سقوط نظام الأسد، وجود سلطة تشريعية على هذه الشاكلة، لكن الإشكال حين يناط بهذه السلطة أن تكون حاضرة في كامل المرحلة الانتقالية المفترضة، لكنها ليست سلطة بالمعنى الحقيقي، أي أنها غير تمثيلية إذ لم ينتخبها أحد، فهي مفروضة (بشكل مباشر وغير مباشر) من السلطة التنفيذية، بل حتى إن صلاحياتها لا تتجاوز التصديق والموافقة على تشريعات السلطة التنفيذية، وهذا فعلياً يلغي دورها التشريعي والرقابي والمحاسبي، رغم وجود شخصيات داخل البرلمان القادم، قد تمتلك من الخبرات ما يكفي، لكنها لا تتشكل في برنامج سياسي حزبي أو جماعي، ولا تمتلك صلاحيات التأثير الحقيقي. عدا عن نقطة بالغة الأهمية، أن ما يجعل السلطة التشريعية منضبطة هي السلطة التي أوكلت إليها المهمة التمثيلية (أقصد المجتمع)، لكنها هنا هي السلطة التنفيذية، فالتبعية تبدو حتمية في هذا المشهد. وأقترح على السلطات الثلاث الآن، رغم هيمنة السلطة التنفيذية عليها، أن تذهب باتجاه إحداث انتخابات شعبية مطلع العام القادم، لثلث أعضاء البرلمان، فيما ينتخب الثلث الثاني في نهايته، والثلث الثالث في نهاية المرحلة الانتقالية، وبذلك يكون لدينا مجلس تشريعي تمثيلي حقيقي، منتخب من قبل الشعب مباشرة، قادرة على نقل البلاد نحو المرحلة التالية. آمل أن يدرك النواب مهمتهم التاريخية، وألا يكونوا مجرد موظفين عموميين للتصديق على التشريعات المحلية والاتفاقيات الدولية فقط، بل أن يدفعوا بدورهم نحو تشكيل كتل برلمانية قادرة على فرض ذاتها على السلطة التنفيذية، وفرض رؤيتها للمرحلة ما بعد الانتقالية، رغم أن هذه الرؤية غير واضحة حتى الآن. وهنا لا أقصد كتل المعارضة، بقدر ما أقصد كتلاً وطنية تراعي مصلحة البلاد أولاً وآخراً. في الختام، مستقبلنا هو مسؤوليتنا جميعاً. شكراً لكم مرة أخرى على هذه المساحة الواسعة من صحيفتكم. 
بواسطة د. عبد القادر نعناع ١ يوليو ٢٠٢٦
لا يبدو أن التحرك الإسرائيلي في الشرق الأوسط سيتوقف عند الحدود التي وصلها خلال العقد الفائت، بل إن إسرائيل –ونتنياهو تحديداً– تشتغل على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يتفق مع اعتبارها القوة الأكثر هيمنة فيه، أو إن استطاعت أن تكون القوة المهيمنة الوحيدة فيه. ما يميز التحرك الإسرائيلي، هو استراتيجيته طويلة المدى، أي وضع هدف والاشتغال على تحقيقه عبر حكومات متتالية، ويبقى الهدف الأعلى لدى إسرائيل هو تقويض أية قوة منافسة لها في الشرق الأوسط، باعتبار أن أي صعود لقوى عربية أو شرق أوسطية سيعني تراجعاً في نفوذ وقوة إسرائيل الإقليمية، وحيث أن إسرائيل ستبقى عالقة في عقدة رفض المحي لها، فإنها تعمل على توسيع مجالها الأمني أكثر فأكثر نتيجة معضلتها الأمنية وقلقها الدائم من جوارها. إذاً، هي تشتغل انطلاقاً من الخوف الأمني المصحوب برفضها أية تسويات يتشارك فيها الجميع منافع الشرق الأوسط، ورفضها وجود أي منافس في ذات البيئة الجغرافية. وإن كانت تعتبر ما يجري حولها تهديدات أمنية، فهي ليس كذلك بالضبط، بل هي تهديدات لمطامع إسرائيل الأمنية شرق الأوسطية. وحيث أن ترتيبات القرن العشرين لم تعد مواتية لإسرائيل، سواء لناحية تغيير العقلية الإسرائيلية من عقلية تثبيت الوجود إلى عقلية توسيع الوجود، ثم إلى عقلية القضاء على وجود المنافسين، أو نتيجة تغير المعطيات شرق الأوسطية، وغياب أنظمة كانت ضامناً لأمن إسرائيل (مثل نظام الأسد)، وبروز جماعات جهادية على حدودها (بتنوعها الأيديولوجي والمذهبي)، غير مضمونة السلوك وإن كان هناك تصريحات رسمية بضمان سلوكها الأمني (لكن إسرائيل لا تتعامل بالنوايا في هذه الحالة)، فإن ما تتطلع إليه إسرائيل، هو تقويض قدرة النظام السوري الجديد على تشكيل أي تهديد، من خلال ما تطالب به من منطقة عازلة واسعة، لكنها فعلياً تقوّض استقلالية وسيادة الدولة السورية (المنقوصة أساساً)، وتفرض شروط تسويات تضمن بقاء سورية دولة هشة غير قادرة على تشكيل أي تهديد للنفوذ الإسرائيلي شرق الأوسطي (ما يتجاوز الموضوع الأمني)، وما يضمن عودتها للمشهد السوري دائماً. لا تمتلك دمشق مقومات المواجهة المباشرة أبداً، ولا يبدو أنها ترغب في أي نوع من المواجهات غير المباشرة مع إسرائيل، وخصوصاً أن لديها استحقاقات داخلية كثيرة غير منجزة بعد، وهي أكثر ميلاً للتوقيع على اتفاقية تسوية سلمية (اتفاق سلام مثلاً)، يضمن للسلطة الجديدة بقاءها، لكن مع حد أدنى من الشروط المقبولة لجمهورها (ومعارضيها إن تسنى ذلك)، وخصوصاً في ظل ضغوط أمريكية من جهة، وغياب الفعالية العربية في مواجهة إسرائيل من جهة ثانية. بالأساس، لم تكمل السلطة السورية الجديدة استحقاق استعادة السيادة كاملة، وما يزال قرارها السياسي غير مستقل بشكل كامل، وما تزال شرعيتها قيد التكوين بل وهشة أمام اضطرابات داخلية عديدة، لذا فإن هناك احتمالاً لفرض تسوية قريبة من التصور الإسرائيلي في الفترة القادمة، على الأقل بخصوص نزع السلاح جنوب دمشق، لكن الإشكال قد يبقى لفترة بخصوص السويداء، إذ إنها تشكل دليل عمل لكافة الجماعات السورية المسلحة الأخرى. وفيما يستمر الضغط الإسرائيلي بالاستناد إلى عناصر قوة عديدة، فإن الموقف السوري يفتقر إلى عوامل إسناد تجعله قادراً على فرض شروط تسوية غير مقبولة لإسرائيل، ولا يشكل الترحيب الأمريكي بالسلطة السورية الجديدة عنصر دعم حقيقي لها في مواجهة إسرائيل، بقدر ما توفره رغبة ترامب في إحداث استقرار شرق أوسطي يتفق مع المصالح الأمريكية أولاً والإسرائيلية ثانياً، ويضمن عدم تهديد هذا الاستقرار على المدى الطويل.
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٢١ مايو ٢٠٢٦
كلمة ألقيت في ندوة "نحو مستقبل مشترك"، التي عقدتها الحركة الوطنية السورية في مدينة حلب - سورية، بتاريخ 20 أيار/مايو 2026 الدكتور عبد القادر نعناع حياكم الله جميعاً في هذا الجميع الطيب، وهي فرصة لم تكن لولا هذا التغيير السياسي الكبير الذي حصل في بلادنا، وخلاصنا من نظام استبدادي شرس مكث على صدورنا عقوداً من الزمن، جرّف فيها كل أشكال الحياة السياسية، ودمر جزءاً مهماً من تاريخنا، مادياً ومعنوياً. نجتمع اليوم، باعتبارنا جزءاً من النخب السورية وخصوصاً في محافظة حلب، في محاولة جادة لتنشيط الحياة السياسية كما أملها آباؤنا المؤسسون للجمهورية، متصدرين المسؤولية التاريخية التي تواجهنا، باعتبارنا وكلاء المستقبل السوري، ومدركين أهمية تعاضدنا جميعاً في إنتاج هذا المستقبل، والتصدي لأية نكسات قد تحيق بمستقبلنا، سواءً أكانت نكسات باتجاه الاستبداد، أو الاقتتال، أو الانهيار. إن ما لحق بنا من تدمير للحياة السياسية والحياة المادية وما يرتبط بهما، يضعنا أمام مسؤولية إعادة البناء الفكري إلى جانب المادي. وحتى نكون مدركين لحجم المخاطر التي سنواجهها، علينا أن ندرك أن أي مسار للتنمية السياسية سيواجه أزمات عديدة. وقد خلصت كل التجارب التي سبقتنا إلى أن حل أزمة الهوية هو المدخل الأكثر أهمية في حل باقي الأزمات. يعتبر المجتمع السوري مجتمعاً معقد البنية الهوياتية دينياً مذهبياً وأقوامياً، بل ويمكن أن يمتد إلى الهويات الثقافية أيضاً. هذا التنوع الذي كان يُفتَرض به أن يكون مصدر غنى حقيقي للثقافة السياسية السورية. عوضاً عن ذلك تحول إلى إشكالية مركبة ومتراكمة طيلة عقود تاريخنا المعاصر، وهي إشكالية نراها "معنّدة" ومتوارّثة، بمعنى أنّها منذ أن نشأت ما تزال متفاعلة حتى تاريخ اللحظة هذه. فهي إشكالية تتعلّق بالدولة السورية، وبالتعدّد الإثني، وبصناعة المواطنة، وبالبحث عن عقد اجتماعي يعيد للمجتمع ارتباطاته ببعضه البعض. وهي إشكالية تضاعفت مع هيمنة التسلطية (أي نتيجة أدوار السلطة الاستبدادية)، وما تزال مرتبطة بإشكاليات أيديولوجية سابقة ولاحقة، لتبقى بحاجة إلى برنامج حلٍّ تشاركي حكومي ونخبوي واجتماعي، لتشكيل عقد اجتماعي يراعي تطلعات التنوّع الثقافي السوري. طبياً، الإقرار بالمشكلة وتوصيفها ومعرفة التاريخ المرضي، هي بداية مهمة في مسار العلاج، وهي مسؤوليتنا المشتركة في توصيف هذه المشكلة أولاً. من هنا، أطرح دائماً، فكرة الأسئلة الثلاثة تمهيداً لحلها: من نحن؟ ولماذا علينا أن نعيش في ذات الكيان الجغرافي؟ وكيف لنا أن نفعل ذلك؟ وهي أسئلة تأسيسية تحيلنا إلى الإقرار بالوجود المشترك المتساوي لكل مكونات المجتمع السوري أفراداً وجماعات. ثم البحث في رابط هذا الوجود، وهو الرابط السوري الحديث، الذي يخرجنا من أزمة وجودنا التاريخي والإثني، ويحيلنا إلى مواطنين ذوي ثقافة عليا مشتركة، ومصالح لا تتم إلا بالتشارك فيما بيننا. هذان السؤالان يؤسسان لانتقالنا جميعاً نحو البحث في بناء عقد اجتماعي يضمن لنا السؤالين السابقين، ويؤسس لنا مستقبلنا المنشود. والمقصود بذلك، أن علينا الإقرار بجملة من الاشتراطات الأولية التي نحمل مسؤوليتها، والتي تنتج مواطناً سورياً مسؤولاً من جهة، وعقلانياً من جهة ثانية. عبر التوزيع المتساوي: - للحقوق والحريات الأساسية، وأبرزها: حريات التعبير والاعتقاد والمشاركة السياسية. - وللفرص المتكافئة في المناصب والوظائف والتعليم. - والمساواة في فرص تحقيق الدخل والثروة. - والمساواة في السلطات والصلاحيات، من خلال إحداث قدر متساوٍ من التأثير والمشاركة في الحياة السياسية، وهو ما سنُعبِّر عنه بالديموقراطية. - ومن ثم توفير الأسس المتساوية لاحترام الذات، بأن يشعر كل سوري منا أن له ذات القيمة والكرامة المعترف بها. وهذا يتطلب اشتراطاً آخر، يتمثل في قيام مؤسسات الدولة على مسافة واحدة من كل الأفراد والجماعات، حتى نضمن أن تكون المساواة حقيقية فيما بيننا. وهي المساواة في القيمة والكرامة والحرية والتأثير السياسي. وهذا يحيلنا إلى اشتراط إضافي، يتمثل في حضور البعد الاجتماعي في كل هذه الاشتراطات، أي العدالة بكل أشكالها. تتأسس هذه الاشتراطات في عقد اجتماعي ننتجه جميعاً، يُعبَّر عنه في دستور ونظام اقتصادي ونظام سياسي، ونظام حزبي وانتخابي يضمن استمرار هذه الاشتراطات. تقود هذه الاشتراطات، إلى الانتقال من الاحتماء بالجماعة إلى الثقة بالدولة والمواطنة السورية كهوية جامعة مقبولة ومتفق عليها وضامنة لحقوق الأفراد والجماعات، وفي ذات الوقت يضمن للجماعة خصوصيتها باعتبارها مكوناً لهذه الهوية الأعلى. حيث أن البحث في هوية دون الهوية الوطنية، كان جزءاً من آليات الحماية التي لجأ إليها الكثير في ظل الاستبداد والثورة والحرب، فإن استمرارها اليوم لا يمكن أن يكون مقبولاً بهذا الشكل. ولكل ثقافة، رغم ما تشمله من غنى وتنوع، إطاراً عاماً يضمها جميعاً، ونحن هنا نقصد الإطار الإسلامي باعتباره إطاراً ثقافياً حضارياً تاريخياً لا إطاراً دينياً إقصائياً للتعديد الديني في بلادنا. والإطار العربي باعتبارها وعاءً لغوياً سياسياً حضارياً، لا لغة إقصائية للتعدد اللغوي في بلادنا. إن الوصول إلى هذا الهدف الأسمى، لن يكون في متناولنا تلقائياً، بل سيكون نتيجة إيماننا جميعاً به، واشتغالنا الحثيث على إنتاجه، بما يتفق مع خصوصيتنا السورية من جهة، ومع إدراكنا لضرورة انخراطنا الحضاري العالمي. وهنا نعتقد أن ذلك ممكن في ظل ثلاث أدوات رئيسة: الأولى هي الديموقراطية، ولا نقصد بها الديموقراطية التنافسية المعهودة في الدول الديموقراطية المستقرة، بل مع مراعاة الخصوصية السورية التي قد تحيلنا إلى أشكال أكثر مناسبة لنا، ومنها التداولية مثلاً، لكننا نحتاج إلى تقديم تدريجي لها عبر انتقال ديموقراطي، حيث أنها السبيل للمساواة السياسية بيننا كمواطنين سوريين من جهة، وتجعلنا مسؤولين ومراقِبين لمستقبلنا المشترك من جهة ثانية. وثانيها العدالة، والتي تحيلنا إلى أمرين بالغي الأهمية، فمن خلال العدالة الانتقالية الحقيقية نكون قادرين على تجاوز آلام الماضي والخروج من المظلوميات العديدة والقدرة على التسامح والمشاركة في إنتاج المستقبل. ومن خلال العدالة الاجتماعية نضمن ارتقاء كل المواطنين وقدرتهم على المشاركة المسؤولة. وثالثها، اللامركزية، وقد يختلف الفهم أو التصور لها، لكننا نقصد مراعاة الثقافات الفرعية والمجتمعات المحلية، وإعطاءها الفرصة الحقيقية لإدارة شؤونها بما يضمن استقرار البلاد وفعالية المواطنين ومسؤوليتهم وقدرتهم على صيانة مستقبلنا. في ختام هذه المداخلة، أكرر فكرتي الرئيسة، بأن ما طرحته هي خطوط عامة وإرشادية، كلي أمل أن نتحاور حولها باعتبارنا نخب هذا المجتمع، وأن نجد من خلالها سبيلنا نحو مستقبل مشترك، والاتفاق على قواعد العمل السياسي، وبناء الثقة المشتركة فيما بيننا.
بواسطة د. عبد القادر نعناع ١ مايو ٢٠٢٦
د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية تعمد الدول في مرحلة الانتقال الديموقراطي على إطلاق الحياة السياسية، من خلال حراكٍ حزبي ومجتمعي يعزّز من تنظيم قوى المجتمع، ويخلق بيئات سياسية مناسبة للحوار المتبادل، وبما يهدف للوصول إلى عقد اجتماعي تشاركي يضمن بناءً سلمياً لمستقبل للدولة. وخصوصاً أن ما يجري في المراحل الانتقالية يُعتبر مؤشراً لما سيجري بعدها، وهو ما تحتاجه سورية في هذه المرحلة من تاريخها، رغم جملة من التحديات التي تواجه هذه العملية. إذ شهدت سورية منذ الوحدة مع مصر عملية تجريف للحياة السياسية بشكل كامل. ورغم محاولات العودة المتكرّرة التي حصلت بعد الانفصال، لكن هيمنة البعث والنزاعات التي حصلت في داخله أولاً، واستبداديته لاحقاً، قضت على أية إمكانية للعمل السياسي في سورية، بعد أن كانت من أكثر الدول العربية نشاطاً سياسياً منذ مطلع القرن العشرين. وقد أثّر ذلك في مسار إدارة المصالح المتباينة في سورية، لينقلها من حالتها السلمية المعتادة إلى حالة المواجهة المباشرة بالغة العنف في مراتٍ عدّة أبرزها في ثمانينات القرن العشرين ثم إبان الثورة السورية بعد عام 2011، مع أشكال متعدّدة من العنف السلطوي منخفض الحدّة (ملاحقة حراك ربيع دمشق، اعتقالات سياسية متفرقة، مواجهات 2003، قمع حراك 2004). لذا، يُشكّل سقوط نظام الأسد فرصة تاريخية أو "معجزة" سياسية، تُحتّم علينا استعادة الحياة السياسية السورية، بأدواتها السلمية، والضامنة لمنع عودة أية أشكال استبدادية، ولإدارة مصالحنا وتوجهاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتباينة سلمياً. ونقصد بأنها فرصة تاريخية، بمعنى أنها مَدخَلٌ مهّمُ لتصحيح الانحراف التاريخي الطويل الذي مُنِيت به سورية، وإعادة تأسيس الديموقراطية على ما عرّفها الآباء المؤسسون للدولة السورية، وفي مقدمتها: حرية التعبير والتنظيم والترشيح والانتخاب، وما ينبني عليها من مسؤولية تشاركية بين السلطة والمعارضة والمجتمع المدني والمواطنين، في ضمان هذا المستقبل، عبر إحداث آليات رقابة إيجابية تضمن عدم انحراف السياسات العامة نحو مصالح ضيقة أو استبدادية. وفي هذا السياق، يُعتبر الحزب أداة سياسية ضرورية في الدولة الحديثة لإدارة النزاعات وتناقضات المصالح سلمياً، فهو البديل الحقيقي عن العنف السلطوي أو العنف المجتمعي، أي أنه البيئة الأكثر مناسبة لقيادة عمليات التفاوض والتساوم والتحالف السياسي بين النخب (وهذه هي السياسة في أحد معانيها)، بما يضمن مصالح الجميع، بشكل سلمي. وهو أداة النخبة في التعبير عن مصالح الفئات الاجتماعية التي تمثلها، أي أن العمليات التفاوضية التي تجريها الأحزاب، إنما تجريها بالنيابة عن المجتمع ككل، لضمان مصالحه. وبالأساس، لا يمكن إحداث انتقال ديموقراطي حقيقي دون هذه المساواة أو التسويات النخبوية التي تقرر شكل الدولة ونظامها السياسي والاقتصادي وهويتها وآليات إدارتها، بشكل يضمن ضمان استمرارية هذه المخرجات وعدم تهديم هذا البنيان كلما وصلت قوى جديدة للسلطة. وبمناسبة ذلك، فإن للحزب وظائف كثيرة تساعد في الاستقرار السياسي وإحداث الانتقال الديموقراطي، فالحزب أولاً، هو بوابة للمشاركة السياسية. وحيث أننا في سورية، دولة خارجة من نزاع مسلح وعقود من الاستبداد، فإننا بحاجة ماسة إلى إطلاق مسار تنمية سياسية شاملة، لكنه سيواجه أزمات عديدة، من أبرزها أزمة المشاركة السياسية، في مجتمع بالغ التسيس وخصوصاً في العقدين الماضيين، وحيث أن السلطة وحدها غير قادرة على استيعاب مشاركة كل الأطياف السياسية داخلها، فإن الأحزاب تتيح مجالات أوسع بكثير لإطلاق هذه المشاركة. وما يدفع الأفراد المسيسين لهذه المشاركة الحزبية ثانياً، أن الحزب إنما هو البيئة التنظيمية التي تجمع مصالح المواطنين (أو فئات منهم)، وتعيد صياغتها، وتعبر عنها. كما يمثل الحزب القناة الرسمية المنظمة للتواصل مع السلطة والتفاوض معها حول هذه المصالح، والدفاع عنها. وللحزب أيضاً أدوار مهمة في التنشئة السياسية ثالثاً، أي نشر الوعي السياسي، عبر التنظيم والندوات والحوارات والتثقيف. وهذه بعض من أهم وظائف الحزب الواسعة. لا يعني ذلك أن التجربة الحزبية السورية ستكون سهلة في المرحلة القادمة، أو مستقرة كما في الدول ذات الديموقراطيات المترسخة. فهناك الكثير من التحديات التي تفرض ذاتها علينا في عملية إطلاق الحياة السياسية والحزبية، من أبرزها قيود إجرائية تتمثل في غياب نظام حزبي (قوانين تسجيل الأحزاب، وتمويلها)، وبالتالي غياب نظام انتخابي، وهما نظامان متصلان، يحدّد شكلهما مستقبل الحياة الحزبية والسياسية في سورية. إلى جانب قيود بنيوية وسياسية متمثلة في ضعف مؤسسات الدولة وعدم حيادها وسيطرة البيروقراطية عليها، بل وهيمنة السطلة التنفيذية في المرحلة الانتقالية على العملية السياسية، وضعف البنية التحتية الحزبية. ويضاف إلى ذلك ثالثاً قيود ثقافية وهوياتية تتمثل في ضعف الثقافة التنظيمية والحزبية لفئات واسعة من المجتمع السوري، وحضور الإرث الثقافي السلطوي في كثير من الأحيان، إلى جانب ما ورثناه من انقسامات طائفية وعرقية ما تزال تتحكم في المشهد الهوياتي السوري. تعتبر هذه التحديات نتيجة حتمية لدولة شهدت عقوداً طويلة من الاستبداد انتهت بعد ثورة مسلحة تدخلت فيها قوى داخلية وخارجية عديدة. وهذا يعني أن العبء أكبر على النخب السياسية وعلى السطلة الانتقالية في الدفع معاً نحو التأسيس لحياة سياسية سلمية ومستقرة، وذلك على قاعدة تأسيسية بالغة الأهمية: وهي أن الخراب الحاصل في سورية (على كافة الصعد) لا يمكن لجهة منفردة إدارته، بل هو خراب تاريخي يحتاج إلى كتلة وطنية تاريخية قادرة على التآلف فيما بينها للخروج منه. وما غياب هذا العمل، إلا نذير خطر يتهدد مستقبلنا السياسي، دافعاً هذا المستقبل نحو خيارات متطرفة بالكاد تجاوزناها سواءً كانت العودة إلى إدارة مصالحها المتنوعة داخل المجتمع عنفياً، أو أن يكون هذا الغياب فراغاً تملؤه قوى تسلطية تعيد إنتاج الاستبداد السياسي مرة أخرى. لذا، هي مسؤولية كل النخب السورية –الحكومية وغير الحكومية– بكل تكويناتها السياسية والهوياتية، أن تعمل على إنتاج حياة سياسية متنوعة وتشاركية وسلمية، تضمن استعادة سورية لنهضتها، وتؤسس لمسار ديموقراطي حقيقي. منشور في مجلة الوعي السوري الصادرة عن الحركة الوطنية السورية في عددها 40، أيار/مايو 2026، ص 18-21
بواسطة د. عبد القادر نعناع ٩ فبراير ٢٠٢٦
جون هيغلي (جامعة تكساس/هيوستن)، وميشيل بورتون (كلية لويولا/ميرلاند) ترجمة: عبد القادر نعناع (جامعة الشام العالمية/حلب) ملخص البحث تعتمد النظم الديمقراطية المستقرة اعتمادًا كبيرًا على ما يُسمّى بـ "الوحدة التوافقية" للنخب الوطنية. فطالما ظلت النخب منقسمة، تبقى النظم السياسية غير مستقرة، وهي حالة تجعل من التحولات الديمقراطية والانهيارات الديمقراطية مجرد تذبذبات مؤقتة في الأشكال التي تتخذها النظم غير المستقرة. ويبدو أن الانقسام هو الحالة العامة السائدة بين النخب الوطنية، كما يميل هذا الانقسام بقوة إلى الاستمرار بغضّ النظر عن التطور الاجتماعي-الاقتصادي أو غيره من التغيرات التي تطرأ على جماهير السكان. أما النخب المتوافقة والمتحدة، الضرورية لقيام ديمقراطيات مستقرة، فلا تتشكل إلا بطرق محدودة، من أهمها طريقتان تنطويان على تحولات نخبويّة مميّزة. بعد توضيح هذا الطرح، سنفحص العلاقة بين النخب والأنظمة السياسية في دول الغرب منذ بدء عملية تماسكها بعد عام 1500. ونُبيّن أن مقاربتنا تقدّم تفسيرًا منطقيًا ومتماسكًا للسجل السياسي الغربي، وتسهم بدرجة كبيرة في توضيح آفاق قيام ديمقراطيات مستقرة في المجتمعات النامية اليوم، كما تجعل التحليل متزايد التركيز على النخب في دراسة التحولات والانهيارات الديمقراطية أكثر منهجية وانتظامًا. للعودة إلى النص الأصلي: John Higley and Michael G. Burton, “The Elite Variable in Democratic Transitions and Breakdowns,” American Sociological Review, Vol. 54, No. 1 (February 1989), pp. 17–32. لتنزيل الدراسة