النظام القديم/الجديد للشرق الأوسط: زيارة بايدن واستمرار الإخفاق الأمريكي في المنطقة
د. عبد القادر نعناع • ٢٦ أغسطس ٢٠٢٢
مارك لينش
ترجمة: عبد القادر نعناع
لم تسفر زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى الشرق الأوسط، شهر يوليو/تموز الماضي، عن نتائج مبهرة بقدر ما أسفرت عن تذمر واضح. وأثبتت أن المكاسب التي حصل عليها بايدن لقاء قبضته مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تكاد لا تذكر. إذ لم تلتزم السعودية بزيادة إنتاج النفط، ولم يتم الإفراج عن أي من المعارضين، ولم تظهر مسائل حقوق الإنسان إلى العلن، إلا عندما رفض الأمير محمد بن سلمان الانتقاد الموجه له بخصوص مقتل الصحفي جمال خاشقجي، وذلك عبر الإشارة إلى الصمت الأمريكي تجاه مقتل شيرين أبو عاقله، الصحفية الفلسطينية الأمريكية التي قُتلت في مايو/أيار الماضي في الضفة الغربية على يد الجيش الإسرائيلي، كما لم تعلن السعودية عن تحركات واسعة نحو التطبيع مع إسرائيل، ولم يتبلور تحالف أمني جديد في المنطقة.
لكن على ما يبدو، فإن لدى إدارة بايدن طموحات أوسع من تلك الزيارة، لا يمكن رصدها من خلال ملاحظة سجل الإنجازات قصيرة الأجل. حيث تعتقد الإدارة الأمريكية أنها بحاجة إلى إعادة العلاقات مع السعودية والحلفاء الإقليميين الآخرين، والعمل من منظور مصلحتهم في التعامل بشكل أفضل مع مجموعة متنوعة من القضايا. ما زاد في إلحاح هذه النظرية، هو احتمال الإخفاق الوشيك لمفاوضات إحياء اتفاقية نووية مع إيران، فضلاً عن الصدمات الناتجة عن الغزو الروسي لأوكرانيا. في حين أن الشائعات الإعلامية التي سبقت الزيارة حول إنشاء تحالف عسكري رسمي مع الدول العربية وإسرائيل، وأن القصد من الرحلة هو دفع المنطقة نحو نظام إقليمي جديد قائم على التعاون الإسرائيلي العربي ضد إيران، بتوجيه من الولايات المتحدة، لم تكن سوى تصريحات سابقة لأوانها. ورغم أن الزيارة أنجزت بعض الخطوات الصغيرة في هذا الاتجاه، لكن لا يبدو أن هذه الإجراءات قادرة على زيادة مستوى الاستقرار الإقليمي، ولن تكون البنية الأمنية التي تصورتها الإدارة جديدة قابلة للتحقق حالياً.
يتنامى اصطفاف إسرائيل مع الدول العربية ضد إيران منذ عقود، فيما جعلت اتفاقات أبراهام، التي تم التوصل إليها تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، التعاون رسمياً وعلنياً، وأزالت صراحة مسائل فلسطين وحقوق الإنسان من المعادلة. وفي ذات الوقت، تراهن الولايات المتحدة على قدرة الدول العربية الأتوقراطية على تبني نظام إقليمي يشمل إسرائيل، دون القلق بشأن كيفية استقبال الجماهير العربية لهذه السياسات. لكن هذه مخاطرة في وقت تتصاعد فيه الأزمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في معظم أنحاء المنطقة، ومن المرجح أن تأتي بنتائج عكسية، كما حدث في الماضي.
طالما كان ضبط نظام إقليمي في الشرق الأوسط، بقيادة الولايات المتحدة، سلوكاً أمريكياً (أشبه بالتسلية) منذ عام 1991، عندما نجحت الولايات المتحدة بقيادة عملية عسكرية لإخراج صدام حسين من الكويت. لكن الشرق الأوسط الحالي لم يعد يأتمر بأوامر واشنطن كما كان حينها. حيث أصبح قادة الشرق الأوسط، أكثر تحوطاً في المراهنة على الولايات المتحدة، في وقت يُلاحِظ فيه هؤلاء القادة صعود عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد، وهذا واضح في رفضهم الانحياز مؤخراً إلى جانب الولايات المتحدة وأوروبا ضد روسيا.
لكن إن نجح بايدن وبشروطه، في خلق تحالف إقليمي رسمي موجه ضد إيران، يضم إسرائيل والأنظمة الأوتوقراطية العربية، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى تكرار أخطاء الماضي. وقد يقود إلى تسريع الانهيار التالي للنظام الإقليمي من خلال عكس مسار التقدم نحو خفض التصعيد، وتشجيع القمع المحلي، وتمهيد الطريق للجولة التالية من الانتفاضات الشعبية.
ميثولوجيا/أساطير عام 1991
يمكن اعتبار السلوك الأمريكي القائم على إقامة نظام إقليمي تقوده الولايات المتحدة، هو سلوكي جيني في تكوين السياسات الأمريكية. وعلى وجه الخصوص، هناك جيل من صنّاع السياسة الخارجية الأمريكية، ينظر إلى عام 1991 والنظام الإقليمي الذي تم بناؤه في الشرق الأوسط آنذاك، باعتباره النموذج الأمثل الذي يجب محاكاته. من السهل معرفة أسباب هذه النظرة، وخصوصاً أن تلك الحقبة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي مباشرة، كانت تمثل ذروة تفوق الولايات المتحدة على العالم. وقد بدأت فعلياً بعد تدخل الولايات المتحدة عامي 1990-1991 لعكس نتائج احتلال العراق للكويت. وأطلقت إدارتي جورج بوش الأب وبيل كلينتون جهوداً طموحة لإعادة ربط المنطقة بالقطبية الأحادية للولايات المتحدة، والحفاظ على نظام إقليمي ملائم لمصالح الولايات المتحدة.
وللحظة وجيزة من التاريخ، كانت كل الطرق تؤدي إلى واشنطن. إذ أطلقت الولايات المتحدة عملية السلام في مدريد لإنهاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، ولإنشاء نظام إقليمي بقيادة الولايات المتحدة، يمكن أن يشمل كلاً من إسرائيل والدول العربية. فيما بحث حلفاء السوفييت السابقون –مثل سورية– طرق الدخول إلى هذا النظام الجديد، من خلال مفاوضات السلام مع إسرائيل. حتى إيران –المنهكة من عقد من الحرب مع العراق– سعت هي الأخرى إلى إعادة بناء علاقاتها بأوروبا ودول الخليج، وإطلاق "حوار الحضارات" في الأمم المتحدة، واتخاذ خطوات محدودة في التعاون مع واشنطن، بل والتراجع عن سياستها التدخلية في الإقليم.
ولفترة وجيزة، ظهرت أسس معيارية إيجابية أخرى، إلى جانب الأساس العسكري، لنظام إقليمي تقوده الولايات المتحدة. تمثل ذلك في شرعية العملية العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة لتحرير الكويت، والتي كانت عملية متعددة الأطراف حقاً، في ظل شرعية ممنوحة من مجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية. كما قدّم الاستثمار الأمريكي المكثف في صنع السلام العربي-الإسرائيلي بعد عام 1991، والإشراف على عملية أوسلو للسلام، رؤية إيجابية محتملة لمستقبل الشرق الأوسط.
لكن تلك الأسس المعيارية لم تتجذر في البيئة الإقليمية، وثبتت صعوبة إدارة النظام الإقليمي المتصور. ورغم الحنين العميق لواشنطن إلى الشرق الأوسط إبان التسعينيات، لكن تلك الفترة لم تكن كما تُصوِّرها الميثولوجيا/الأسطورة الأمريكية. حيث فشل النهج الأمريكي لعام 1991 في إنتاج نظام إقليمي مستقر وشرعي بقيادة الولايات المتحدة، حتى عندما كانت في ذروة قوتها العالمية، وهو ما يزودنا بدروس بالغة الإفادة اليوم.
لا شيء يمكن استعراضه
لم يقم النظام الإقليمي بعد عام 1991 بإدارة نفسه بنفسه، فيما تطلبت سياسة الاحتواء المزدوج لإيران والعراق إنشاء قواعد عسكرية أمريكية شبه دائمة في جميع أنحاء المنطقة، وخاصة في الخليج العربي. كان هذا تحولاً هائلاً عن السياسة الأمريكية في العقود السابقة، التي قامت على أساس الموازنة الخارجية للإقليم، من خلال مراقبة المنطقة، واستخدام حلفائها المحليين، وتجنب إقامة قواعد عسكرية دائمة واسعة النطاق. شمل هذا التحول، تكريس قدر غير متناسب من الطاقة الدبلوماسية لمشاكل المنطقة، حتى بدا أن كل أزمة في الإقليم تتطلب اهتماماً أمريكياً أكبر. وأدت سياسة التعامل مع الأزمات التي لا نهاية لها بهذه الطريقة، إلى تجاهل أو حتى تعزيز الأنظمة الأوتوقراطية التي كان من شأنها أن تقوض النظام الإقليمي في نهاية المطاف.
في قلب تلك السياسات الأمريكية، كانت عملية احتواء العراق، التي تطلبت الحفاظ على نظام عقوبات صارم وغير مسبوق تاريخياً. لكن حرمان العراق من وارداته وصادراته كان بدوره مسؤولاً عن أعداد لا حصر لها من الوفيات المتزايدة، ومسؤولاً عن البؤس الإنساني الذي قوّض بشدة الادعاءات الأخلاقية الأمريكية، بنظر العرب.
في حين أدت الاشتباكات حول عمليات التفتيش على الأسلحة إلى أعمال عسكرية متكررة، منها مثلاً عملية ثعلب الصحراء، والتي كانت عبارة عن حملة قصف لأهداف عراقية استمرت أربعة أيام نفذتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 1998. لكن في النهاية، لم تنجح تلك الجهود، واستغل صدام برنامج النفط مقابل الغذاء التابع للأمم المتحدة لتأمين نظامه، فيما تآكل الامتثال الإقليمي للعقوبات الدولية.
ورغم المجهود الدبلوماسي، فشلت الولايات المتحدة في الوفاء بوعدها بتحقيق سلام إسرائيلي–فلسطيني. ورغم أن إدارة كلينتون بذلت جهداً في المفاوضات، لكنها لم تتمكن من التغلب على تداعيات اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين عام 1995، أو الموجات المتتالية من إرهاب حماس، أو التوسع الإسرائيلي المستمر في سياسة الاستيطان في الضفة الغربية. وبالمثل، فشلت واشنطن في تحقيق سلام إسرائيلي-سوري.
كما شهد عقد التسعينيات أيضاً، التقليل من أهمية الديمقراطية في المنطقة، خوفاً من فوز الإسلاميين في صناديق الاقتراع. وبدلاً من ذلك، تظاهرت واشنطن بالاعتقاد بأن الحكام العرب الأوتوقراطيين سيعملون على تطوير المجتمعات المدنية لتهيئة شعوبهم ليكونوا على أهبة الاستعداد للديموقراطية الحقة يوماً ما. هذه بالطبع، هي نفس الحجة التي ساقتها وتسوقها معظم الأنظمة الأوتوقراطية العربية اليوم، وهو ادعاء لم يُظهر فريق بايدن أي جهد للتشكيك فيه. إذ تمت مقايضة الترويج للديمقراطية بالحصول على نظام إقليمي مستقر وترسيخ الأوتوقراطية العربية بكل عللها. وعليه، لم يكن من قبيل الصدفة أن عقد التسعينيات كان أيضاً فترة تمرد إسلامي في مصر والجزائر وفترة حضانة القاعدة.
محصلة ذلك، أن الأيام المجيدة لقيادة الولايات المتحدة للشرق الأوسط، هي أقل بكثير مما تبدو عليه. حيث فشلت جهود احتواء العراق، وفشلت الجهود الأمريكية لتأمين سلام عربي-إسرائيلي. ولم تفلح أطروحة بناء شروط الديمقراطية من خلال العمل مع الأوتوقراطيين العرب. وعليه يمكن القول إن بروز دور الولايات المتحدة في كل هذه الإخفاقات، جعلها هدفاً جذاباً للقاعدة، والتي حولت نشاطها من "العدو القريب" إلى "العدو البعيد" في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.
تكرار الأخطاء
حاولت كل الإدارات الرئاسية التي أعقبت كلينتون، إعادة تصميم النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، شرعت إدارة جورج دبليو بوش في استراتيجية التفوق الأمريكي، ليكون محور هذا النظام الإقليمي الجديد هو "الحرب العالمية على الإرهاب"، والتي تضمنت في الشرق الأوسط تعاوناً وثيقًا بين الولايات المتحدة وأجهزة الأمن الإقليمية، وتوسيعًا هائلًا وتدخلياً للوجود الأمريكي في المنطقة. لكن غزو العراق للإطاحة بصدام، أثبت بكل تأكيد مدى كارثية هذا النهج الذي خلق فراغاً من الاستقرار في قلب الشرق الأوسط. وأطلق الاحتلال الأمريكي للعراق العنان للطائفية المتوحشة، ومكّن كلاً من إيران والحركات الجهادية السنية مثل الدولة الإسلامية الوليدة، وتسبب في تدفق ملايين اللاجئين. وحيث استنفدت حرب العراق الرغبة والقدرة الأمريكية على العمل عسكرياً في الشرق الأوسط، فإنها انتهت بانتصار إيران الباهظ –إلى حد ما– وتمكنها من ترسيخ حلفائها في مواقع مهيمنة في الدولة العراقية.
تلك الفوضى، هي ما أطلقت عليه وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس خلال ذروة حرب إسرائيل على لبنان "الشرق الأوسط الجديد"، ورغم أنه كان عنيفاً وتنافسياً مفرطاً، لكن من الناحية الهيكلية هو مشابه تماماً لما هو عليه الشرق الأوسط اليوم.
فمن جهة، كان هناك ما أسماه المسؤولون الأمريكيون "محور المعتدلين"، والذي شمل إسرائيل ومعظم الدول العربية تحت المظلة الأمنية الأمريكية، في مقابل "محور المقاومة" الذي شمل إيران وسورية والجهات الفاعلة غير الحكومية مثل حماس وحزب الله. وغالباً ما يتم تجاهل حقيقة أن وسائل الإعلام المملوكة للسعودية دعمت في البداية هجوم إسرائيل عام 2006 على حزب الله، بسبب كراهيتها للحركة الشيعية المدعومة من إيران، إلى أن أجبرها رد عام معادٍ على تغيير خطها التحريري. فيما قادت عدم شعبية التدخل الأمريكي، مثل الحروب في العراق وأفغانستان، إلى تعظيم مكاسب تركيا وقطر السياسية، من خلال التصرف كدول متأرجحة الموقف، متخذة مواقف أكثر انسجاماً مع الرأي العام العربي بشكل عام.
بدوره، قدّم الرئيس باراك أوباما، رؤية مختلفة حقاً للنظام الإقليمي، تستند إلى خلق توازن قوى مستقر وقابل للتطبيق بين إيران وجيرانها، من خلال الدبلوماسية النووية، وتقليص الوجود العسكري الأمريكي. لكن إسرائيل والسعودية والإمارات العربية المتحدة، جميعها، عارضت عملياً كل ما حاولت إدارة أوباما تطبيقه، بما في ذلك الاتفاق النووي الإيراني، ونظروا إلى مشروع أوباما على أنه النقيض لحالة الازدهار التي تشهدها دولهم في تلك الآونة.
لم ترغب دول الخليج العربي مشاركة المنطقة مع إيران (كما اقترح أوباما)، ولم تكن راغبة فيما اعتبرته أفكار أوباما الهرطقية حول تبني الديمقراطية وانتفاضات الربيع العربي. في الوقت نفسه، عارض القادة الإسرائيليون أفكار أوباما حول استئناف مفاوضات السلام التي من شأنها أن تعمل على إنشاء دولة فلسطينية، بل وعارضوا بشكل أكبر فكرة أن حل الدولتين سيكون ضرورياً لإقامة علاقات مع الدول العربية. كما أثبتت إيران أيضاً أنها غير راغبة في تعديل سياساتها الإقليمية بشكل هادف والتوقف عن استخدام وكلاء للقتال في أماكن مثل العراق وسورية واليمن بعد توقيع الاتفاق النووي. جميع هذه المواقف، أدت هذا إلى تقويض جهود أوباما في صياغة نظام إقليمي جديد.
وهذا يفسر سبب ترحيب إسرائيل والسعودية والإمارات العربية المتحدة –مثل العديد من القادة العرب الآخرين– بعودة إدارة ترامب إلى نموذج بوش الابن: "الشرق الأوسط الجديد". حيث تبنى ترامب وجهات نظرهم على أنها وجهة نظره هو، وتوقف عن الضغط على الدول العربية بشأن سجلاتها الحقوقية، أو دفعها لحل القضية الفلسطينية. كما تخلت إدارته عن الاتفاق النووي الإيراني، وواصلت بدلاً من ذلك ما وصفته بحملة "الضغط الأقصى" على إيران. لكن مرة أخرى، جاءت محاولات فرض نظام إقليمي بنتائج عكسية، إذ شجع احتضانه الشديد لهذه الدول العربية وإسرائيل على أسوأ غرائز تلك الحكومات، بما في ذلك التدخل العدواني الذي أدى بشكل حتمي إلى تسريع الحروب الأهلية وفشل الدولة في جميع أنحاء المنطقة، من اليمن إلى ليبيا وسورية. وأدى القمع المتصاعد داخل تلك الدول، إلى زيادة عدم الاستقرار الداخلي وخطر تجدد الانتفاضات، بينما أدى تسارع سياسة إسرائيل في مصادرة الأراضي الفلسطينية إلى حدوث أزمات متكررة.
كما ثبت أن تبني ترامب لنهج "الشرق الأوسط الجديد" له حدود، وهو ما أثار استياء الحلفاء الإقليمين. وخصوصاً مع رفض ترامب الرد على إيران بعد هجومها غير المسبوق على منشأتين نفطيتين رئيسيتين داخل السعودية عام 2019، وأشار ذلك إلى أن الشرق الأوسط بات مسألة تقع مسؤوليتها على حكمة قادة المنطقة. كان هذا بمثابة إثبات بأنه لم يعد بالإمكان الاعتماد على العلاقة المتينة بالإدارة الأمريكية للرد عسكرياً على مثل هذا الهجوم العدواني، فهل يمكن الوثوق بأي ضمانات أمنية أمريكية؟
لا أحاديث منمقة بعد الآن
يُظهر مفهوم بايدن للمنطقة أن هذه الرؤية للنظام الإقليمي ما تزال قائمة بين قادة المنطقة وفي دوائر السياسة في واشنطن، على الرغم من كل الصراع والبؤس الإنساني الذي ولّدته. لقد تكيفت الأنظمة العربية بشكل فعال في مواجهة مطالب واشنطن، وأثبتت فعاليتها في صد أي جهود أمريكية لتغيير السياسات. ورغم أن أعضاء فريق بايدن هم –في غالبهم– تمت صناعتهم من قبل إدارة كلينتون، ويعتقدون أنهم تعلموا الدروس الصحيحة من سنوات أوباما وترامب، لكن من المفارقة أن الشرق الأوسط الذي يأملون في تصميمه، يشبه بدرجة أكبر النظام الإقليمي الذي حاوله الرئيس جورج دبليو بوش الوصول إليه.
ولعل الفارق بين نموذج بايدن عن نموذج بوش الابن، هو ما تخلى عنه بايدن: "أجندة الحرية". ربما يكون بوش قد تخلى عن أفكار الترويج للديمقراطية في الشرق الأوسط بمجرد فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، لكن خطاب إدارته حول التغيير الديمقراطي في المنطقة، قدّم على الأقل بعض الرؤية الإيجابية للنظام الإقليمي. في المقابل، فإن بايدن، في رحلته الأخيرة إلى السعودية، تخلى عن ذلك تماماً. وهذا ما يمكن اعتباره مفهوم بايدن لإدارة تريد إصلاح العلاقات مع القادة العرب وتجنب أي شيء قد يثير استعداءهم. لكن لها تكاليف حقيقية يتم التضحية بها.
كانت الأوتوقراطيات العربية الملاط الذي ربط النظام الإقليمي بقيادة الولايات المتحدة خلال عقدي التسعينيات والعقد الأول من هذا القرن. فيما أدت الانتفاضات العربية عام 2011 إلى تفكيك هذا الرابط بطريقة لم يتم استيعابها كاملة بعد. ولم يتم إنتاج تحولات ديمقراطية مستدامة في أي مكان في العالم العربي، فيما حسم الانقلاب الرئاسي في تونس في يوليو/تموز 2021 مصير واحدة من التجارب القليلة التي ظهرت.
ويسعى الأوتوقراطيون العرب اليوم، إلى إقناع واشنطن، بأنهم قد استعادوا النظام القديم كاملاً، وأن الديمقراطية أصبحت ملفاً غير قابلة للنقاش، وأنهم استعادوا سيطرتهم بشكل حازم. في حين أن المؤشرات الاقتصادية الكئيبة في معظم المنطقة، والتي تفاقمت بسبب كوفيد -19 وحرب روسيا في أوكرانيا، والانفجارات المتكررة للحشود الشعبية في أماكن غير متوقعة مثل الجزائر والعراق ولبنان والسودان، تشير إلى أن تصوراتهم هذه ما هي إلا تصورات مضللة.
عالم مختلف
وبغض النظر عن احتمالية اندلاع انتفاضات شعبية جديدة، تبدو المنطقة اليوم مختلفة تماماً عن تلك المرحلة السابقة للنظام الإقليمي بقيادة الولايات المتحدة. إذ أصبح الشرق الأوسط متعدد الأقطاب داخلياً، وتحولت مراكز القوى العربية عن المناطق التقليدية في قلب العالم العربي (بلاد الشام ومصر) باتجاه دول الخليج العربي، واشتركت دول غير عربية مثل إسرائيل وإيران وتركيا بشكل متزايد في معادلات القوة هذه. بينما أدى انعدام أمن النظام –بشكل وجودي– أعقاب صدمة عام 2011، إلى جانب انتشار الدول الفاشلة والحروب الأهلية، إلى تغيير منطق التدخل وتغيير ميزان القوى في المنطقة. بينما أدى رفض أوباما التدخل المباشر في سورية، ورفض ترامب الرد على الهجمات الإيرانية على المنشآت النفطية السعودية، وانسحاب بايدن من أفغانستان، إلى تغيير وجهة نظرة القادة العرب في الولايات المتحدة كضامن للأمن في المنطقة.
وعليه، لا يمكن اعتبار الفترة الحالية، فترة هيمنة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. لكن هذا لا يعني أن هناك ما يشبه القطبية الثنائية الجديدة أو حتى التعددية القطبية في العالم. إذ لطالما كانت روسيا مُفسِدَة أكثر من كونها قطباً منافساً لقوة الولايات المتحدة، فيما تستهلكها حالياً حربها في أوكرانيا. وبدروها، لم تقدّم الصين بعدُ محاولة لترجمة وجودها الاقتصادي المتنامي بسرعة، إلى نفوذ سياسي أو عسكري، وفي الغالب، تشارك الصين الولايات المتحدة المصالح الأساسية مثل الحفاظ على تدفق النفط من الخليج.
ولكن حتى مع عدم وجود منافس حقيقي، فإن الولايات المتحدة، ببساطة، لا تملك الموارد أو القدرات السياسية للعب دور المهيمن في الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، لم تعد القوى الإقليمية تعتقد أن الولايات المتحدة تستطيع أو ستعمل عسكرياً للدفاع عنها. إذ علّمت الانتفاضات العربية هؤلاء القادة الأوتوقراطيين أن واشنطن لا تستطيع ضمان بقاء الأنظمة التي تعمل من أجل المصالح الأمريكية. وعليه لا يمكن اعتبار مواقفهم القومية، وشكواهم المتزايدة من تخلي واشنطن، أنها مجرد موقف مساومة تهدف إلى تأمين المزيد من الأسلحة الأمريكية والدعم السياسي. بل مواقف هي تعكس القدرات المتزايدة للدول العربية ومشاعرها العميقة بعدم الأمان، ولن تثمر المحاولة غير الفعالة لطمأنة هذه الدول، فشكوكهم عميقة للغاية، في وقت يبدو فيه أن القدرات الأمريكية والإرادة السياسية غير كافية بشكل واضح.
يبدو هذا المشهد سيئاً، لكن لا يجب أن يكون كذلك. فبدلاً من محاولة إعادة بناء نظام تآكلت أساساته بشكل لا يمكن إصلاحه، فإن النهج الأفضل هو تشجيع التحركات التي تتخذها الدول بمفردها لتهدئة التوتر الإقليمي في غياب القيادة الأمريكية.
فخلال العام الماضي، أعادت دولة الإمارات بناء علاقاتها مع قطر وتركيا، فيما سرى وقف إطلاق النار في ليبيا واليمن، وعقدت السعودية محادثات أولية مع إيران. لذا فإن تحركات الولايات المتحدة لبناء جبهة موحدة ضد إيران –تصعيد مبيعات الأسلحة وإعادة تأكيد الضمانات الأمنية–، يمكن أن تكون ذات نتائج عكسية للغاية لهذه الجهود المحلية. فكلما تحركت واشنطن لتوسيع التزاماتها العسكرية والسياسية لقيادة نظام إقليمي جديد، كان من المرجح أن تصبح المنطقة أقل استقراراً.
تعاني المنطقة من اضطراب عميق منذ عام 2011، وتعتبر مشاكلها كثيرة. لكن كيفية إعادة بناء نظامها الإقليمي له عواقب وخيمة، وستسهم مفاهيم النظام القديمة بسرعة في مزيد من الفشل. إذ أصبح الخليج اليوم، منطقة أكثر استقلالية، وأصبحت دوله العربية مستعدة وقادرة على التصرف دون اعتبار لقوة عظمى راعية لهم.
لكن خارج عدد قليل من دول الخليج الثرية، تعد المنطقة أيضاً مزيجاً من العمليات العسكرية ومكاناً بالكاد يستطيع فيه الأوتوقراطيون التمسك بالسلطة في مواجهة مشكلات اقتصادية هائلة ومتفاقمة. وعلى الرغم من وقف إطلاق النار الأخير، استمرت الصراعات في ليبيا وسورية واليمن في الاشتعال، ويمكن أن تشتعل في أي وقت. فيما يسعى الحكام الأوتوقراطيون والملوك في جميع أنحاء المنطقة لترويج فكرة الاستقرار واستعادة الحالة الطبيعية، لكن واقع الظروف الاقتصادية والسياسية على حد سواء اليوم، أسوأ مما كان عليه عشية انتفاضات 2011.
كما أنه في ظل غياب أي أمل في حل الدولتين أو أي قيود دولية جادة على الاحتلال الإسرائيلي، فإن توسع إسرائيل المستمر في الضفة الغربية والحصار المستمر لغزة يمكن أن يؤدي إلى أزمة أخرى في أية لحظة.
بدورها، فإن الولايات المتحدة نفسها في حالة من الفوضى، ويستنزفها الاستقطاب والتنافس السياسي الداخلي، فيما تخلت إلى حد كبير، حتى عن التظاهر، بتعزيز الديمقراطية أو حقوق الإنسان.
وفيما يجادل المدافعون في إسرائيل والخليج بأن اتفاقيات أبراهام توفر رؤية للمنطقة يمكن بناء نظام حولها، لكن كل الأدلة تشير إلى أن الجمهور العربي يرفض بأغلبية ساحقة فكرة التطبيع مع إسرائيل دون حل للقضية الفلسطينية. ما يعني بناء نظام إقليمي يعتمد على أنظمة أوتوقراطية لقمع الرأي العام بدلاً من بناء نظام تحكمه الشرعية خارج القصور، لن يكون مستقراً أو وثابتاً.
سيكون من السخرية حقًا، إن انتهى هذا النظام الإقليمي كما انتهى النظام الإقليمي لكلينتون في التسعينيات، عبر حرب غير ضرورية وكارثية. إذ أدى انسحاب ترامب أحادي الجانب من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018 إلى تقويض جهود أوباما لبناء نظام بديل، ولم يستطع بايدن التغلب على التداعيات السلبية لذلك. ومع طي الاتفاق النووي الإيراني، بات من السهل جداً تصور الانزلاق نحو مشروع أمريكي يهدف إلى شن حرب لتغيير النظام في إيران. من المؤكد أن بايدن تجنب مناقشة استخدام القوة ضد إيران، كما أن انسحابه من أفغانستان يعطي بعض المصداقية لتصميمه على تجنب حرب أخرى واسعة النطاق، لكن الضغط لاتخاذ إجراء حاسم سيزداد مع تضييق الخيارات إلى: قبول إيران نووية، أو العمل عسكرياً لمنعها. إن المسار الذي يسلكه بايدن لإعادة بناء النظام الإقليمي يجعل هذه النتيجة الكارثية أكثر احتمالية.
الكاتب: البروفيسور مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن
المترجم: د. عبد القادر نعناع، باحث وأكاديمي مختص بالشرق الأوسط والعلاقات الدولية.
للاطلاع على النص الأصلي، انظر:
Marc Lynch, "The New Old Middle Eastern Order: Biden’s Trip Shows Why Washington Is Still Getting the Region Wrong", Foreign Affairs, July 26, 2022:
https://www.foreignaffairs.com/united-states/new-old-middle-eastern-order

د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة شام العالمية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية تشهد كثير من مجتمعات ما بعد النزاع مرحلة انتقال سياسي، تشمل العديد من الخطوات المجدولة زمانياً وبرامجياً، قبل الوصول إلى المرحلة التالية. في هذه المرحلة المبكرة من الانتقال، ترتفع الآمال لدى المجتمع في التخلص من الإرث الاستبدادي، وإحداث انتقال ديموقراطي، خصوصاً في حال ترافقت هذه المرحلة بثورة سابقة أطاحت بنظام استبدادي، ويبدو أن هذا ما تشهده الحالة السورية بالغة التعقيد، والتي تتداخل فيها عوامل محلية وخارجية كثيرة. تشمل هذه المرحلة غالباً مجموعة من الإشكاليات، تتمثل في تعدّد أو غياب البرامج والقوى السياسية، وإشكاليات تتعلق بالعدالة الانتقالية، والنزعة التسلطية النكوصية، وإعادة الإعمار، وتحسين المستوى المعاشي، وإطلاق الحريات السياسية والحياة السياسية، عدا عن إشكاليات تتعلق بالنفوذ الخارجي، وسواها العديد، نحاول مناقشته في هذه الورقة. إشكاليات الانتقال الديموقراطي في الحالة السورية تعتبر مرحلة ما بعد النزاع مرحلة بالغة الأهمية والخطورة معاً، إذ إن مسارها يحدد مستقبل الدولة تماماً، ونحن في سورية نقع ضمن سياق عربي يفرض ذاته علينا، وبالتالي نجد أن السياق العربي ذهب باتجاهات محدودة للغاية، فإما التحوّل نحو نظام استبدادي جديد (نكوص استبدادي)، وإما الذهاب إلى اقتتالات محلية جديدة، أو الجمع بين الاقتتال والتفتيت كما في السودان واليمن. نحتاج هذا السياق لنفهم المشهد السوري المقبل، فلن نكون خارجه أبداً، وخصوصاً أن ثقافتنا السياسية تتفق مع سياقنا العربي. عموماً، حتى نضبط مستقبلنا، علينا ضبط المرحلة الانتقالية. هذا الضبط، مسؤولية في ثلاثة اتجاهات، من السلطة، ومن النخب غير الحكومية، ومن المجتمع. لنفترض أننا منطقياً نتطلع إلى مستقبل ديموقراطي (وهو افتراض آمل أن يكون صحيحاً)، وهو افتراض قائم على أساس أن هذا الانتقال هو الأقل كلفة والأكثر قدرة على إدارة التنوع الهوياتي وإدارة النزاعات المحلية، وأكثر استدامة وأماناً لمستقبلنا. هذا يشترط كثيراً من المقدمات التي تبدو غائبة حتى الآن. إذ لا يمكن الوصول إلى هذا الهدف، في ظل عدم تصالح اجتماعي سوري. هذا التصالح لن يتم قبل مسار إطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقي، تجعل الضحايا أو ذويهم مقتنعين بأن المجرمين الحقيقين ستتم محاسبتهم. أي أن شرط نسيان آلام الماضي (من شروط بناء الأمم بعد النزاع) غائب عنا حتى الآن، ما يؤدي إلى تغذية مسار عكسي يتمثل في عدالة انتقامية فردية نتيجة خيبة الأمل التي تطال الضحايا وذويهم، وبالتالي عملية التصالح المطلوبة تبتعد أكثر فأكثر نتيجة إنتاج مظلوميات جديدة، تحضّر المشهد السوري لاحتمال اندلاع عنف محلي جديد. أما المدخل الثاني، فهو كرامة الأفراد معيشياً، فلن تستطيع الديموقراطية الانتقالية الصمود أمام حالة الفقر التي تطال غالبية السوريين (قرابة 80%)، ففيما ينشغل الأفراد في البحث عن قوت يومهم، لن يبقى لديهم أدنى اهتمام بالشأن العام، في ظلّ مدن يصل التهديم في بعضها إلى أكثر من 50%، فكيف يمكن إطلاق مسار ديموقراطي في ظل غياب الكرامة الفردية بالأساس، عدا عن وجود مئات آلاف السوريين في المخيمات، وملايين منهم في دول الشتات. ثم إن من الاشتراطات المهمة، هي تفعيل المواطنة الإيجابية، أي تلك التي تُحمِّل المواطن ذاته مسؤولية إدارة شأنه، وبالتالي تجعله شريكاً في بناء المستقبل، وهذا يتطلب حداً مقبولاً من اللامركزية، فيما نشهد حالة ضبابية بين مركزية مفرطة في ظل نظام رئاسي مفرط، مع حالات غير مضبوطة تشريعياً من اللامركزية. أي أن على السلطة والنخب معاً، الدفع باتجاه العدالة الانتقالية الحقيقة، ورفع مستوى المعيشة، وإطلاق مسار إعادة الإعمار التي تطال البنى التحتية والمساكن (وليس الفنادق والمشاريع الترفيهية)، وتعزيز اللامركزية، وإطلاق الحياة السياسة والحريات السياسة، حتى نضمن أن مسار الانتقال الحالي يسير باتجاه صحيح. بالنتيجة، لا يمكن بناء ديمقراطية فوق أنقاض العدالة، ولا فوق مجتمع يبحث عن رغيف الخبز، أو من خيم النازحين. وخطابي هنا للسلطة ذاتها، فالديموقراطية المترافقة بالعدالة والحريات هي ضمان لنا جميعاً في هذه البلاد من أي نكوص استبدادي، ولا مبرّر لتأجيلها، بل علينا البدء بها ولو تدريجياً، وعلى مراحل تتفق مع سياقنا. إشكالية العنف في المرحلة الانتقالية إن تحوّل العنف إلى سلوك معتاد أو مقبول اجتماعي، هو نتيجة ما ذكرناه: غياب العدالة الانتقالية من جهة، وضعف التشريعات القانونية أو عدم مواءمتها للتطورات من جهة ثانية، واستمرار الفساد من جهة ثالثة، وغياب الانتماء إلى المرحلة الانتقالية من جهة رابعة. كذلك الشعور لدى جماعات أو أفراد بأن هناك استئثاراً من قبل جماعة واحدة بالسلطة والمنافع والمناصب والقرارات. أي ما يمكن التعبير عنه بأزمات الهوية والمشاركة السياسية والتوزيع والانتشار والشرعية، وهي كلها أزمات مراحل التحديث. يضاف إلى ذلك، خطاب الكراهية المسكوت عنه، ما يعزّز حالة الانقسام الاجتماعي، ويهدم جسور التواصل الممكنة بين المكونات السورية، ويدفعها لمواجهة بعضها البعض (فردياً أو جماعياً). عدا عن إشكالية الخطاب الأيديولوجي الذي يحاول إعادة بناء الهوية الثقافية السورية باتجاه متشدد، يرفض التنوع الثقافي السوري ويهدمه، ما يعزز حالة الاحتقان، وقد يدفع باتجاه أشكال معينة من العنف المحلي. ثم إن السكوت عن العنف الفردي في العديد من الحالات، بحجة أنه موجّه تجاه "شبيحة أو فلول"، هو بشكل أو بآخر هدم لوظيفة السلطة والقانون، وإقرار بأحقية استخدام الأفراد لهذا العنف. ولن يمكن الخروج من ذلك، إلا بضبط الخطابات، ومحاسبة المجرمين ومحاسبة الذين يلجؤون إلى ما بات يعرف بالعدالة الانتقامية. لكن حتى لا يتحول ذلك إلى أداة تسلطية، فنحن نحتاج إلى منظومة قانونية تحمي حقوق الأفراد وحرياتهم. وربما تكون هذه مسؤولية أكبر على السلطة ذاتها، وإن كانت مسؤولية كل القوى الأخرى. إشكالية غياب المشروع السياسي الانتقالي حتى الآن لا نستطيع أن نحدد مشروعاً انتقالياً في سورية، اقتصادياً واجتماعياً وقانونياً، وليس سياسياً فقط. سياسياً، يبدو أن السلطة منشغلة بترسيخ البنى السلطوية أولاً، عبر كثير من الأدوات، وأبرزها الاستحواذ البيروقراطي (أي إعادة إنتاج البنية البيروقراطية بشكل يتفق مع مسارات السلطة)، وتغييب البيئة المنتجة للديموقراطية (الأحزاب، الانتخابات الحقيقية، الإعلام المستقل). لكن أدوات ذلك الترسيخ السلطوي ما تزال غير منضبطة، ما يجعلنا أمام احتمال إنتاج استبدادية هشة في المرحلة القادمة. أما على باقي المستويات، فلا نستطيع تحديد برنامج عمل واضح يمكن البناء عليه، والتنبؤ بمساراته، ومحاسبة السلطة عليه. يترافق ذلك مع غياب الشفافية في الإنفاق العام والتوظيف وصنع السياسات. تكمن الفرصة هنا أمام السلطة الانتقالية، في الاستماع للنخب من خارج السلطة أولاً، والبحث عن كفاءات من خارج المنظومة السياسية السلطوية ثانياً، أي البدء بمسار المشاركة السياسية، وبناء برنامج واضح وشفاف وشامل لكل وزارات الدولة، وبشكل مترابط، يجعل المواطن مطمئناً ومراقباً إيجابياً لمسار مستقبله. ذلك ممكن تدريجياً، حتى لا نقع تحت رحمة فرضية الأمن أو الحرية، فكلاهما ضروري، وكلاهما بحاجة بعضهما البعض. لذا، هي دعوة للسلطة، لإعادة إنتاج ذاتها وخطابها ورؤيتها. ومن الضرورات أيضاً، العمل على إطلاق الحياة السياسة المترافقة مع مؤتمر حوار وطني، يُنتِج عقداً اجتماعياً متوافقاً حوله، يكون أساساً لدستور ما بعد انتقالي، ولحياة سياسية مستقرة في البلاد. الإشكال الدولي في المشهد الانتقالي ما يزال الملف السوري ملفاً دولياً، ضمن التنافس الدولي على الشرق الأوسط، فما حصل منذ عام 2023 هو صراع مباشر بين المشروعين الإسرائيلي والإيراني، ومنذ اغتيال قادات حزب الله، بدا أن الشرق "الأوسط الإيراني" يزول، لصالح فراغ استراتيجي ستسعى إسرائيل لملئه في عملية تشكيل "شرق أوسط إسرائيلي". وهنا أقصد الهيمنة الإسرائيلية عوضاً عن الإيرانية، وكان لابد من التخلص من أدوات إيران في سورية "نظام الأسد" لإطلاق حملة عسكرية واسعة على المشروع الإيراني في الشرق الأوسط وحصره داخل الجغرافي الإيرانية وهذا ما نراه حتى اليوم. في المقابل يتبلور تنافس جديد أطرافه هي ذاتها السابقة، لكن التنافس يشتد بين تركيا وإسرائيل (القوى الإقليمية المؤثرة في الملف السوري)، فيما تكون سورية في مرحلة شد بين الطرفين. أعتقد أن القوى الخارجية توكل للسلطة الانتقالية وظائف عديدة، منها إدارة المشهد السوري، ضمن هذا التنافس، وما الانفتاح الدولي عليها إلا ضرورة لأداء الوظائف المناطة به. ومن تلك الوظائف أيضاً مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات في سورية، والمساهمة في تصفية المشروع الإيراني في الشرق الأوسط، وإحداث استقرار إلى حين الوصول إلى تسويات دولية بخصوص المنطقة بأسرها ما بعد الانتهاء من الملف الإيراني، سواءً أكانت تسويات سلمية أو غير ذلك. هذا الانفتاح قد يشكل فرصة لتعزيز الاستقرار في سورية، لكنه يتطلب اشتراطات محلية أيضاً، منها ما ذكرناه سابقاً، لناحية المشاركة السياسية والعدالة الانتقالية والتنمية الاقتصادية، وإطلاق مسار انتقال سياسي حقيقي، وهذه لا تعني القوى الخارجية، طالما أن السلطة الانتقالية قادرة على أداء الوظائف المناطة بها. وهنا قد يبدو لنا أن الملف الخارجي أكثر نجاحاً، نتيجة ضبطه من الإرادة الدولية. وعموماً، قد تفضل بعض القوى الغربية، نظاماً قادراً على الضبط، ولو كان غير ديموقراطي، على نظام ديموقراطي يفتقد أدوات الضبط اللازمة. وهذه تتطلب موازنة أخرى بين الشرعية الداخلية والقبول الخارجي، وكلاهما ضروري للآخر. فالاستقرار المستدام لا يتحقق بالأمن وحده ولا بالاعتراف الخارجي وحده، بل ببناء شرعية داخلية تقوم على العدالة والمشاركة والمؤسسات. وهي دعوة للسلطة لإحداث هذه الموازنة. إشكالية السلطة التشريعية يبدو أن طموحاتنا كسوريين بانتقال سياسي حقيقي يقودنا نحو الديموقراطية، أكبر من واقعنا السوري السياسي والاجتماعي والسياسي، وخصوصاً أن سياقنا الثقافي والاجتماعي لا يساعدنا على الضغط باتجاه الدمقرطة حالياً، وهذا لا يعني إلغاء الانتقال الديموقراطي، بل يفرض مسؤولية أكبر علينا لتهيئة هذا السياق. في المقابل، ربما كان مقبولاً لفترة قصيرة في العام الأول من سقوط نظام الأسد، وجود سلطة تشريعية على هذه الشاكلة، لكن الإشكال حين يناط بهذه السلطة أن تكون حاضرة في كامل المرحلة الانتقالية المفترضة، فهي ليست سلطة تشريعية بالمعنى الحقيقي، أي إنها غير تمثيلية إذ لم ينتخبها الشعب السوري، فهي مفروضة (بشكل مباشر وغير مباشر) من السلطة التنفيذية، بل حتى إن صلاحياتها لا تتجاوز التصديق والموافقة على تشريعات السلطة التنفيذية، وهذا فعلياً يلغي دورها التشريعي والرقابي والمحاسبي، رغم وجود شخصيات داخل البرلمان القادم، قد تمتلك من الخبرات ما يكفي، لكنها لا تتشكل في برامج سياسية حزبية أو جماعية، ولا تمتلك صلاحيات التأثير الحقيقي. عدا عن نقطة بالغة الأهمية، هي أن ما يجعل السلطة التشريعية منضبطة وفعالة، طبيعة الجهة التي أوكلت إليها المهمة التمثيلية (أقصد الشعب)، لكنها هنا هي السلطة التنفيذية، فالتبعية للسلطة التنفيذية تبدو حتمية في هذا المشهد. وأقترح على السلطات الثلاث، رغم هيمنة السلطة التنفيذية عليها، أن تذهب باتجاه إحداث انتخابات شعبية مطلع العام القادم، لثلث أعضاء البرلمان، فيما يُنتّخب الثلث الثاني في نهايته، والثلث الثالث في نهاية المرحلة الانتقالية، وبذلك يكون لدينا مجلس تشريعي تمثيلي حقيقي، منتخب من قبل الشعب مباشرة، قادرة على نقل البلاد نحو المرحلة التالية. وعلى النواب بدورهم، إدراك حجم مهمتهم التاريخية، وألا يكونوا مجرد موظفين عموميين للتصديق على التشريعات المحلية والاتفاقيات الدولية فقط، بل أن يدفعوا بدورهم نحو تشكيل كتل برلمانية قادرة على فرض ذاتها على السلطة التنفيذية، وفرض رؤيتها للمرحلة ما بعد الانتقالية، رغم أن هذه الرؤية غير واضحة حتى الآن. لا تعتبر هذه وحدها إشكاليات المرحلة الانتقالية في سورية، بل ربما أكثرها إلحاحاً، وهذه طبيعة المراحل الانتقالية في كثير من الحالات الدولية السابقة. لكن الركون إلى هذه الإشكاليات أو تجاوزها، قد يؤسس لبنيان هش غير قادر على الصمود أمام التحديات المستمرة في البيئة شرق الأوسطية، ما يتطلب منا جميعاً التكاتف لبناء مستقبلنا المشترك كما نرغب به. منشور في مجلة الوعي السوري الصادرة عن الحركة الوطنية السورية العدد 43، آب/أغسطس 2026، ص 18-21

د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية في جامعة الشام العالمية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية تشهد منطقة شرق المتوسط، تحديات أمنية مستمرة، مرتبطة بكثير من العوامل، مُنتِجة تداعيات على كامل الإقليم، ومنه سيولة أو هشاشة الحدود داخل المنطقة، وتحوّلها إلى مساحات لإدارة النفوذ والتهريب وحركة السلاح والمقاتلين. ومما يعقّد هذا الإشكالية تعدّد الفاعلين المحليين والخارجيين ذوي المصالح المرتبطة بتلك الهشاشة، ما يوجب على دول المنطقة ابتكار خطط أمنية جديدة، وتطوير مؤسساتها المشتركة، ومصالحها المستحدثة في تحويل المنطقة إلى ممرّات دولية للطاقة والتجارة العالمية. وتقع سورية في قلب هذه الهشاشة الحدودية، باعتبارها حلقة الوصل بين كافة دول شرق المتوسط من جهة، والعراق والخليج وتركيا من جهة ثانية، أي أنها معنية مباشرة بالتهديدات الأمنية في المنطقة، وبالفرص الواعدة في الممرات الدولية. عوامل هشاشة الحدود كثيرة هي عوامل هشاشة الحدود في منطقة الشرق الأوسط، بدءاً من مشكلة تراجع سيادة بعض دول الإقليم، مروراً بالتدخلات الإقليمية والدولية، إلى جانب عوامل جغرافية واقتصادية. ستزداد هذه المشكلة مع الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي ساهم في توسيع حركة المقاتلين الأجانب والإرهابيين (جزء منها بإشراف من دول المنطقة ذاتها) للتنقل عبر الحدود التي ما عادت مضبوطة. لكن تداعي هذه الحدود، سيصبح أكثر إشكالية بعد الثورة السورية، التي أفقدت الحكومة السورية كثيراً من سيادتها على هذه الحدود، في الاتجاهات جميعها، وأتاحت للعديد من دول الإقليم التدخل عبر وكلائها أو بشكل مباشر لتحقيق مشاريعها. عدا عن أنّ هذا الفراغ أتاح للجماعات الإرهابية، والميليشيات الأجنبية، والتجارة غير الشرعية، والنزعات الانفصالية ذات البعد القومي، بل وحتى بعض الدول الإقليمية والقوى الدولية، الحركة بشكل أكثر يسراً. وبما أن الحدود السورية مشتركة مع كافة دول الإقليم، فإن المشكلة تزداد تعقيداً، حيث أن لكل جزئية منها خصوصيته، إذ تفرض تركيا رقابة صارمة على حدودها مع سورية بناء على مخاوف أمنية تدفعها للتحرك داخل الأراضي السورية، فيما تبدو الحدود العراقية مع سورية أكثر تحدياً نتيجة طولها من جهة، ووجود الجماعات الإرهابية والميليشيات على جانبي الحدود في بعض تلك المناطق الصحراوية. وتبقى الحدود السورية اللبنانية الأكثر اضطراباً، نتيجة عدم استكمال الترسيم في بعضها، ووعورتها الجبلية، وتداخلها السكاني، وطالما كانت معابر مهمة لميليشيا حزب الله لحركة المقاتلين وتهريب السلاح تحت رعاية نظام الأسد وإيران. فيما تبدو الحدود الأردنية الأقل إشكالية، لكنها أيضاً تشهد حركة لتجار المخدرات باتجاه دول الخليج العربي. بدروه، يساهم الاحتلال الإسرائيلي لمناطق حدودية سورية في تحفيز حركة الجهاديين بدوره. أي أن طول الحدود وطبيعتها الجغرافية، إلى جانب طبيعة النزاعات الإقليمية في الشرق الأوسط تفرض ذاتها كتحدٍ أمني حقيقي، وهذا ما يجعل ضبط هذه الحدود تحدياً أمنياً يحتاج إلى معالجات فعّالة. إدارة هذا التحدي، تتطلب كثيراً من العوامل، ربما من أبرزها استقرار حكومات المنطقة وقدرتها على فرض سيادتها على هذه الحدود، على أن يترافق ذلك بترسيمها بشكل كامل، وتشكيل لجان أمنية إقليمية مشتركة قادرة على تبادل المعلومات الأمنية حول التهديدات المحتملة، وتسيير دوريات مشتركة، واستخدام تقنيات مراقبة حديثة. وهناك عوامل أخرى، تبقى مهمة، وخصوصاً المتعلقة بتنمية المناطق الحدودية وتطوير اقتصاداتها، لدفعها بعيداً عن التجارة غير الشرعية. حدود غير مسيطر عليها، وفاعلون متعددون تعتبر هاتان المشكلتان مترابطتين، فرغم توسيع السلطة السورية الانتقالية سيطرتها على غالبية الأراضي السورية، إلا أن جزءاً من تلك المناطق ما يزال خارج سيطرتها، مع افتقارها لتعاون إقليمي شامل، وقدرات تقنية وعسكرية متطورة لإدارة الحدود. ومن جهة أخرى، تبرز مشكلة تعدّد الفاعلين كعامل أقل مما كان عليه قبل عام 2024، إذ ما تزال تركيا تمتلك حرية في التحرك العسكري على امتداد جزء مهم من الحدود الشمالية من جهة (بالتنسيق مع السلطات السورية)، فيما تقع مسؤولية ضبط الحدود في بعض المناطق الشرقية ضمن ترتيبات أمنية مشتركة مع قسد، ما يتطلب استكمال دمج البنى الأمنية والعسكرية بين الطرفين. ارتباط هذين العاملين معاً، يعقّد مشكلة الحدود، ويضع عبئاً أكبر على السلطات السورية الانتقالية، إذ يحتاج الأمر في الأساس إلى إدارة سورية موحدة قادرة على تطبيق برنامج متكامل. يرتبط هذان العاملان أيضاً، لناحية ضرورة التنسيق مع دول الجوار لمواجهة التحديات المشتركة والمتمثلة في شبكات التهريب والجماعات المسلحة والاقتصاد غير الرسمي وسواها من التحديات التي تضعف قدرة السلطات السورية على ضبط حدودها. قيود التنافس الدولي في شرق المتوسط تبقى الجغرافيا السورية مجالاً لتقاطع النفوذ الإقليمي أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، وخصوصاً أن منطقة شرق المتوسط ما تزال تشهد نزاعات إقليمية غير محسومة، تستخدم هذه الجغرافيا لفرض مشاريعها الإقليمية، ما يحمّل السلطات السورية أعباء إضافية في ضبط هذه الحدود. ويمكن للخطط الأمنية الإقليمية المساهمة في ضبط حدود المنطقة، وإن كانت بحاجة إلى مزيد من التطوير من جهة، والتعاون الإقليمي من جهة أخرى. لكنها قد لا تستطيع إنهاء التدخلات الدولية التي تفرض على المنطقة أن تكون ساحة للتنافس والنزاع الإقليمي والدولي. وذلك يبدو أكثر إشكالية، حيث إن الجغرافيا السورية تقع بين مشاريع متنافسة (تركيا، إسرائيل، الولايات المتحدة، روسيا، مع تراجع إيراني واضح)، ما يجعل سورية ولبنان عموماً، ساحة للتنافس الإقليمي، عدا عن سياسات إسرائيل التوسعية المستمرة في كلتا الدولتين. صحيح أن إعادة بناء المؤسسات السورية سيمنح السلطات السورية مزيداً من القدرة على إدارة ملفاتها الحدودية، لكن المنطقة بأسرها ما تزال في قلب التنافس الخارجي، والذي يمتلك العديد من أطرافه وكلاء داخل هذه الجغرافيا، ما يجعل مستقبل المنطقة بدوره مرتبطاً بمسارات هذا التنافس (سلمي، نزاع عبر الوكلاء، نزاع مباشر، إعادة رسم الجغرافيا)، وهو مستقبل على المدى المنظور، متعلق بتطورات التصعيد العسكري الأمريكي-الإيراني، التي قد يعقبها العودة إلى شرق المتوسط، لفرض أشكال جديدة من النفوذ فيه. أي أن تفكيك شبكات النفوذ، أمر مرتبط بفرض السيادة وإعادة بناء المؤسسات، لكنه مرتبط كذلك بالتنافس الدولي في الإقليم. هذا التنافس الذي بدأ يأخذ أشكالاً عدة، منها تنافس الهيمنة السياسية والعسكرية، وأخرى تتعلق بالتنافس على ممرات الطاقة والتجارة، وثالثة على إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي. ختاماً ، وفيما تتعدد العوامل التي تشكّل تهديداً أمنياً مستمراً في المنطقة، سواء لناحية ضعف بعض حكوماتها، أو غياب التنسيق المشترك بينها، أو تعدد الفاعلين الدوليين ودون الدولتيين، واستمرار نزاعات الهيمنة فيما بينهم في المنطقة، إلا أن الفرص المستحدثة في تحويل المنطقة إلى ممرات دولية للتجارة العالمية وللطاقة، قد تشكل حافزاً مهماً لحكومات المنطقة وشركائهم الدوليين، في ضبط تلك الحدود وتنميتها، لكن هذا يتطلب مستويات عليا من الضبط، وفي المقام الأول إرادة سياسية مشتركة بين دول الإقليم. منشور في موقع الحركة الوطنية السورية

حاورته: آلاء المدني د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة شام العالمية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية السؤال الأول: تكون المجتمعات في مرحلة ما بعد النزاع في مرحلة من الانتقال السياسي، وأمامها خطوات عليها تحقيقها لتجاوز هذه المرحلة بشكل ناجح. ما هي هذه الخطوات؟ وبرأيك ما هي الخطوات المتحققة منها في سورية اليوم؟ وما هي الملفات التي ما تزال عالقة وتعيق هذا الانتقال؟ حياكم الله، وشكراً على هذه المساحة. آملنا كبيرة في مرحلة الانتقال السياسي، خصوصاً بعد عقود طويلة من الاستبداد، تلتها ثورة تحولت إلى نزاع مسلح داخلي وإقليمي ودولي، وهذا ما يعقد انتقالنا نحن في سورية تحديداً، في ظل ضغوط نحو تحول ديموقراطي. لذا بداية، إن عملية الانتقال السياسي لا تبدأ من صناديق الاقتراع، بل تبدأ من إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. حتى نفهم الفكرة علينا أن نقر بأن مرحلة ما بعد النزاع مرحلة بالغة الأهمية والخطورة معاً، إذ إن مسارها يحدد مستقبلنا تماماً، ونحن في سياق عربي يفرض ذاته علينا، وبالتالي نجد أن السياق العربي ذهب باتجاهات محدودة للغاية، فإما التحول نحو نظام استبدادي جديد (نكوص استبدادي)، وإما الذهاب إلى اقتتالات محلية جديدة، أو الجمع بين الاقتتال والتفتيت كما في السودان واليمن. نحتاج هذا السياق لنفهم المشهد السوري المقبل، فلن نكون خارجه أبداً، وخصوصاً أن ثقافتنا السياسية تتفق مع سياقنا. عموماً، حتى نضبط مستقبلنا، علينا ضبط المرحلة الانتقالية، هذا الضبط، مسؤولية في ثلاثة اتجاهات، من السلطة، ومن النخب غير الحكومية، ومن المجتمع. لنفترض أننا منطقياً نتطلع إلى مستقبل ديموقراطي (وهو افتراض آمل أن يكون صحيحاً)، وهذا الافتراض قائم على أساس أن هذا الانتقال هو الأقل كلفة والأكثر قدرة على إدارة التنوع الهوياتي وإدارة النزاعات المحلية، وأكثر استدامة لمستقبلنا. هذا يشترط كثيراً من المقدمات تبدو غائبة حتى الآن. إذ لا يمكن الوصول إلى هذا الهدف، في ظل عدم تصالح اجتماعي سوري، هذا التصالح لن يتم قبل مسار إطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقية، تجعل الضحايا أو ذويهم مقتنعون بأن المجرمين الحقيقين ستتم محاسبتهم. أي أن شرط نسيان آلام الماضي غائب عنا حتى الآن، ما يؤدي إلى تغذية مسار عكسي يتمثل في عدالة انتقامية فردية نتيجة خيبة الأمل التي تطال الضحايا وذويهم، وبالتالي عملية التصالح المطلوبة تبتعد أكثر فأكثر نتيجة إنتاج مظلوميات جديدة، تحضّر المشهد السوري لاحتمال اندلاع عنف محلي جديد. أما المدخل الثاني، فهو كرامة الأفراد معيشياً، فلن تستطيع الديموقراطية الانتقالية الصمود أمام حالة الفقر التي تطال غالبية السوريين (قرابة 80%)، ففيما ينشغل الأفراد في البحث عن قوت يومهم، لن يبقى لديهم أدنى اهتمام بالشأن العام، في ظل مدن بعضها يصل نسبة التهديم فيه إلى أكثر من 50%، فكيف يمكن إطلاق مسار ديموقراطي في ظل غياب الكرامة الفردية بالأساس، عدا عن وجود مئات آلاف السوريين في المخيمات، وملايين منهم في دول الشتات. ثم إن من الاشتراطات المهمة، هي تفعيل المواطنة الإيجابية، أي تلك التي تُحمِّل المواطن ذاته مسؤولية إدارة شأنه، وبالتالي تجعله شريكاً في بناء المستقبل، وهذا يتطلب حداً مقبولاً من اللامركزية، فيما نشهد حالة ضبابية بين مركزية مفرطة في ظل نظام رئاسي مفرط، مع حالات غير مضبوطة تشريعياً من اللامركزية. أي أن على السلطة والنخب معاً، الدفع باتجاه العدالة الانتقالية الحقيقة، ورفع مستوى المعيشية، وإطلاق مسار إعادة الإعمار التي تطال البنى التحتية والمساكن (وليس الفنادق والمشاريع الترفيهية)، وتعزيز اللامركزية، حتى نضمن أن مسار الانتقال الحالي يسير باتجاه صحيح. بالنتيجة، لا يمكن بناء ديمقراطية فوق أنقاض العدالة، ولا فوق مجتمع يبحث عن رغيف الخبز، أو من خيم النازحين. وخطابي هنا للسلطة ذاتها، فالديموقراطية المترافقة بالعدالة هي ضمان لنا جميعاً في هذه البلاد، ولا مبرر لتأجيلها، بل علينا البدء بها ولو تدريجياً، وعلى مراحل تتفق مع سياقنا. السؤال الثاني: ما الذي يجعل العنف يتحول من استثناء إلى سلوك معتاد في المجتمع؟ وكيف يمكن الخروج من هذه الحلقة؟ تحوّل العنف إلى سلوك معتاد أو مقبول اجتماعي، هو نتيجة ما ذكرناه، غياب العدالة الانتقالية من جهة، وضعف التشريعات القانونية أو عدم مواءمتها للتطورات من جهة ثانية، واستمرار الفساد من جهة ثالثة، وغياب الانتماء إلى المرحلة الانتقالية من جهة رابعة. كذلك الشعور لدى جماعات أو أفراداً بأن هناك استئثاراً من قبل جماعة واحدة بالسلطة والمنافع والمناصب والقرارات. أي ما يمكن التعبير عنه بأزمات الهوية والمشاركة السياسية والتوزيع والانتشار والشرعية، وهي كلها أزمات مراحل التحديث. يضاف إلى ذلك، خطاب الكراهية المسكوت عنه، بل إن بعضه يكون من جهات إما ذات سلطة أو مقربة من السلطة، ما يعزّز حالة الانقسام الاجتماعي، ويهدم جسور التواصل بين المكونات السورية، ويدفعها لمواجهة بعضها البعض (فردياً أو جماعياً). عدا عن الخطاب الأيديولوجي الذي يحاول إعادة بناء الهوية الثقافية السورية باتجاه متشدد، يرفض التنوع الثقافي السوري ويهدمه، ما يعزز حالة الاحتقان، وقد يدفع باتجاه أشكال معينة من العنف المحلي. ثم إن السكوت عن العنف الفردي في العديد من الحالات، بحجة أنه موجّه تجاه "شبيحة أو فلول"، هو بشكل أو بآخر هدم لوظيفة السلطة والقانون، وإقرار بأحقية استخدام الأفراد لهذا العنف. ولن يمكن الخروج من ذلك، إلا بضبط الخطابات، ومحاسبة المجرمين ومحاسبة الذين يلجؤون إلى ما بات يعرف بالعدالة الانتقامية. لكن حتى لا يتحول ذلك إلى أداة تسلطية، فنحن نحتاج إلى منظومة قانونية تحمي حقوق الأفراد وحرياتهم. فوجدنا مثلاً أن بعضاً ممن يروّج لخطاب كراهية لا يحاسب عليه، في حين أن من ينتقد سلوكاً غير سوي لأحد المقربين من السلطة يمكن أن يتم توقيفه، هذه الانتقائية القانونية ستكون وبالاً على البلاد في حال لم يتم ضبطها. وربما تكون هذه مسؤولية أكبر على السلطة ذاتها، وإن كانت مسؤولية كل القوى الأخرى. السؤال الثالث: هناك من يرى أن المشروع السياسي للسلطة وخاصة على المستوى الداخلي غير واضح، كيف تقرأ ذلك؟ وبرأيك لماذا تعطى الأولوية للسياسة الخارجية؟ صحيح، حتى الآن لا نستطيع أن نحدد مشروعاً انتقالياً للسلطة، اقتصادياً واجتماعياً وقانونياً، وليس سياسياً فقط. سياسياً، يبدو أن السلطة منشغلة بترسيخ البنى السلطوية أولاً، عبر كثير من الأدوات، وأبرزها الاستحواذ البيروقراطي (أي إعادة إنتاج البنية البيروقراطية بشكل يتفق مع مسارات السلطة)، وتغييب البيئة المنتجة للديموقراطية (الأحزاب، الانتخابات الحقيقية، الإعلام المستقل). لكن أدوات ذلك ما تزال غير منضبطة، ما يجعلنا أمام احتمال إنتاج استبدادية هشة في المرحلة القادمة. أما على باقي المستويات، فلا نستطيع تحديد برنامج واضح، يمكن البناء عليه والتنبؤ بالمسارات، ومحاسبة السلطة، يترافق ذلك مع غياب الشفافية في الإنفاق العام والتوظيف وصنع السياسات. حتى إن البعض يرى أن بعض الوزارات تعمل على مسارات مضادة لوزارات أخرى، بل إن ذات الوزارة قد لا تمتلك خطة واضحة لكامل المرحلة الانتقالية. أما في السياسية الخارجية، فلا أرى أنه أولوية، بقدر ما هي ضبط خارجي من الدول التي تشرف على عملية الانتقال، من خلال توفير أقنية أو مسارات محددة تسهم في إدارة التنافس الدولي في سورية، أو الصراع الدولي، فما نزال في مرحلة خطرة في الشرق الأوسط من هذا الصراع. تكمن الفرصة هنا أمام السلطة الانتقالية، في الاستماع للنخب من خارج السلطة أولاً، والبحث عن كفاءات من خارج المنظومة السياسية السلطوية ثانياً، أي البدء بمسار المشاركة السياسية، وبناء برنامج واضح وشفاف وشامل لكل وزارات الدولة، وبشكل مترابط، يجعل المواطن مطمئناً ومراقباً إيجابياً لمسار مستقبله. ذلك ممكن تدريجياً، حتى لا نقع تحت رحمة فرضية الأمن أو الحرية. كلاهما ضروري، وكلاهما بحاجة بعضهما البعض. لذا، هي دعوة للسلطة، لإعادة إنتاج ذاتها وخطابها ورؤيتها. السؤال الرابع: من الملاحظ أن المجتمع الدولي يتعامل بانفتاح على السلطة الجديدة، كيف يمكن أن يترجم هذا الانفتاح؟ وهل سيزيد من فرص الاستقرار الداخلي؟ هنا نكمل النقطة السابقة، حيث أن الملف السوري ما يزال ملفاً دولياً، ضمن التنافس الدولي على الشرق الأوسط. ما حصل منذ عام 2023 هو صراع مباشر بين المشروعين الإسرائيلي والإيراني، ومنذ اغتيال قادات حزب الله، بدا أن الشرق "الأوسط الإيراني" يزول، لصالح فراغ استراتيجي ستسعى إسرائيل لملئه في عملية تشكيل "شرق أوسط إسرائيلي". وهنا أقصد الهيمنة الإسرائيلية عوضاً عن الإيرانية، وكان لابد من التخلص من أدوات إيران في سورية "نظام الأسد" لإطلاق حملة عسكرية واسعة على المشروع الإيراني في الشرق الأوسط وحصره داخل الجغرافي الإيرانية وهذا ما نراه حتى اليوم. في المقابل يتبلور تنافس جديد أطرافه هي ذاتها السابقة، لكن التنافس يشتد بين تركيا وإسرائيل (القوى الإقليمية المؤثرة في الملف السوري)، فيما تكون سورية في مرحلة شد بين الطرفين. أعتقد أن القوى الخارجية توكل للسلطة الانتقالية وظائف عديدة، منها إدارة المشهد السوري، ضمن هذا التنافس، والانفتاح هو ضرورة لأداء الوظائف المناطة بها، ومنها أيضاً مكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات في سورية، والمساهمة في تصفية المشروع الإيراني في الشرق الأوسط، وإحداث استقرار إلى حين الوصول إلى تسويات دولية بخصوص المنطقة ما بعد الانتهاء من الملف الإيراني. سواءً أكانت تسويات سلمية أو غير ذلك. هذا الانفتاح قد يشكل فرصة لتعزيز الاستقرار، لكن يتطلب اشتراطات محلية أيضاً، منها ما ذكرناه سابقاً، لناحية المشاركة السياسية والعدالة الانتقالية والتنمية الاقتصادية، وإطلاق مسار انتقال سياسي حقيقي، وهذه لا تعني القوى الخارجية، طالما أن السلطة الانتقالية قادرة على أداء الوظائف المناطة بها. وهنا يبدو لنا أن الملف الخارجي أكثر نجاحاً، نتيجة الإرادة الدولية. وعموماً، قد تفضل بعض القوى الغربية، نظاماً قادراً على الضبط، ولو كان غير ديموقراطي، على نظام ديموقراطي يفتقد أدوات الضبط اللازمة. وهذه تتطلب موازنة أخرى بين الشرعية الداخلية والقبول الخارجي، وكلاهما ضروري للآخر. فالاستقرار المستدام لا يتحقق بالأمن وحده ولا بالاعتراف الخارجي وحده، بل ببناء شرعية داخلية تقوم على العدالة والمشاركة والمؤسسات. وهي دعوة للسلطة لإحداث هذه الموازنة. السؤال الخامس: في الأمس تم استكمال الثلث المكمل للمجلس التشريعي، إلى أي حد تراه يمثل السوريين؟ وما المطلوب منه بناء على الصلاحيات التي يملكها؟ هذا ملف معقد، علينا بداية الإقرار بأن طموحاتنا كسوريين بانتقال سياسي حقيقي يقودنا نحو الديموقراطية، هي أكبر من واقعنا السوري السياسي والاجتماعي والسياسي، وخصوصاً أن سياقنا الثقافي الاجتماعي لا يساعدنا على الضغط باتجاه الدمقرطة حالياً، وهذا لا يعني إلغاء الانتقال الديموقراطي، بل يفرض مسؤولية أكبر علينا لتهيئة السياق هذا. في المقابل، ربما كان مقبولاً لفترة قصيرة في العام الأول من سقوط نظام الأسد، وجود سلطة تشريعية على هذه الشاكلة، لكن الإشكال حين يناط بهذه السلطة أن تكون حاضرة في كامل المرحلة الانتقالية المفترضة، لكنها ليست سلطة بالمعنى الحقيقي، أي أنها غير تمثيلية إذ لم ينتخبها أحد، فهي مفروضة (بشكل مباشر وغير مباشر) من السلطة التنفيذية، بل حتى إن صلاحياتها لا تتجاوز التصديق والموافقة على تشريعات السلطة التنفيذية، وهذا فعلياً يلغي دورها التشريعي والرقابي والمحاسبي، رغم وجود شخصيات داخل البرلمان القادم، قد تمتلك من الخبرات ما يكفي، لكنها لا تتشكل في برنامج سياسي حزبي أو جماعي، ولا تمتلك صلاحيات التأثير الحقيقي. عدا عن نقطة بالغة الأهمية، أن ما يجعل السلطة التشريعية منضبطة هي السلطة التي أوكلت إليها المهمة التمثيلية (أقصد المجتمع)، لكنها هنا هي السلطة التنفيذية، فالتبعية تبدو حتمية في هذا المشهد. وأقترح على السلطات الثلاث الآن، رغم هيمنة السلطة التنفيذية عليها، أن تذهب باتجاه إحداث انتخابات شعبية مطلع العام القادم، لثلث أعضاء البرلمان، فيما ينتخب الثلث الثاني في نهايته، والثلث الثالث في نهاية المرحلة الانتقالية، وبذلك يكون لدينا مجلس تشريعي تمثيلي حقيقي، منتخب من قبل الشعب مباشرة، قادرة على نقل البلاد نحو المرحلة التالية. آمل أن يدرك النواب مهمتهم التاريخية، وألا يكونوا مجرد موظفين عموميين للتصديق على التشريعات المحلية والاتفاقيات الدولية فقط، بل أن يدفعوا بدورهم نحو تشكيل كتل برلمانية قادرة على فرض ذاتها على السلطة التنفيذية، وفرض رؤيتها للمرحلة ما بعد الانتقالية، رغم أن هذه الرؤية غير واضحة حتى الآن. وهنا لا أقصد كتل المعارضة، بقدر ما أقصد كتلاً وطنية تراعي مصلحة البلاد أولاً وآخراً. في الختام، مستقبلنا هو مسؤوليتنا جميعاً. شكراً لكم مرة أخرى على هذه المساحة الواسعة من صحيفتكم.

لا يبدو أن التحرك الإسرائيلي في الشرق الأوسط سيتوقف عند الحدود التي وصلها خلال العقد الفائت، بل إن إسرائيل –ونتنياهو تحديداً– تشتغل على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يتفق مع اعتبارها القوة الأكثر هيمنة فيه، أو إن استطاعت أن تكون القوة المهيمنة الوحيدة فيه. ما يميز التحرك الإسرائيلي، هو استراتيجيته طويلة المدى، أي وضع هدف والاشتغال على تحقيقه عبر حكومات متتالية، ويبقى الهدف الأعلى لدى إسرائيل هو تقويض أية قوة منافسة لها في الشرق الأوسط، باعتبار أن أي صعود لقوى عربية أو شرق أوسطية سيعني تراجعاً في نفوذ وقوة إسرائيل الإقليمية، وحيث أن إسرائيل ستبقى عالقة في عقدة رفض المحي لها، فإنها تعمل على توسيع مجالها الأمني أكثر فأكثر نتيجة معضلتها الأمنية وقلقها الدائم من جوارها. إذاً، هي تشتغل انطلاقاً من الخوف الأمني المصحوب برفضها أية تسويات يتشارك فيها الجميع منافع الشرق الأوسط، ورفضها وجود أي منافس في ذات البيئة الجغرافية. وإن كانت تعتبر ما يجري حولها تهديدات أمنية، فهي ليس كذلك بالضبط، بل هي تهديدات لمطامع إسرائيل الأمنية شرق الأوسطية. وحيث أن ترتيبات القرن العشرين لم تعد مواتية لإسرائيل، سواء لناحية تغيير العقلية الإسرائيلية من عقلية تثبيت الوجود إلى عقلية توسيع الوجود، ثم إلى عقلية القضاء على وجود المنافسين، أو نتيجة تغير المعطيات شرق الأوسطية، وغياب أنظمة كانت ضامناً لأمن إسرائيل (مثل نظام الأسد)، وبروز جماعات جهادية على حدودها (بتنوعها الأيديولوجي والمذهبي)، غير مضمونة السلوك وإن كان هناك تصريحات رسمية بضمان سلوكها الأمني (لكن إسرائيل لا تتعامل بالنوايا في هذه الحالة)، فإن ما تتطلع إليه إسرائيل، هو تقويض قدرة النظام السوري الجديد على تشكيل أي تهديد، من خلال ما تطالب به من منطقة عازلة واسعة، لكنها فعلياً تقوّض استقلالية وسيادة الدولة السورية (المنقوصة أساساً)، وتفرض شروط تسويات تضمن بقاء سورية دولة هشة غير قادرة على تشكيل أي تهديد للنفوذ الإسرائيلي شرق الأوسطي (ما يتجاوز الموضوع الأمني)، وما يضمن عودتها للمشهد السوري دائماً. لا تمتلك دمشق مقومات المواجهة المباشرة أبداً، ولا يبدو أنها ترغب في أي نوع من المواجهات غير المباشرة مع إسرائيل، وخصوصاً أن لديها استحقاقات داخلية كثيرة غير منجزة بعد، وهي أكثر ميلاً للتوقيع على اتفاقية تسوية سلمية (اتفاق سلام مثلاً)، يضمن للسلطة الجديدة بقاءها، لكن مع حد أدنى من الشروط المقبولة لجمهورها (ومعارضيها إن تسنى ذلك)، وخصوصاً في ظل ضغوط أمريكية من جهة، وغياب الفعالية العربية في مواجهة إسرائيل من جهة ثانية. بالأساس، لم تكمل السلطة السورية الجديدة استحقاق استعادة السيادة كاملة، وما يزال قرارها السياسي غير مستقل بشكل كامل، وما تزال شرعيتها قيد التكوين بل وهشة أمام اضطرابات داخلية عديدة، لذا فإن هناك احتمالاً لفرض تسوية قريبة من التصور الإسرائيلي في الفترة القادمة، على الأقل بخصوص نزع السلاح جنوب دمشق، لكن الإشكال قد يبقى لفترة بخصوص السويداء، إذ إنها تشكل دليل عمل لكافة الجماعات السورية المسلحة الأخرى. وفيما يستمر الضغط الإسرائيلي بالاستناد إلى عناصر قوة عديدة، فإن الموقف السوري يفتقر إلى عوامل إسناد تجعله قادراً على فرض شروط تسوية غير مقبولة لإسرائيل، ولا يشكل الترحيب الأمريكي بالسلطة السورية الجديدة عنصر دعم حقيقي لها في مواجهة إسرائيل، بقدر ما توفره رغبة ترامب في إحداث استقرار شرق أوسطي يتفق مع المصالح الأمريكية أولاً والإسرائيلية ثانياً، ويضمن عدم تهديد هذا الاستقرار على المدى الطويل.

كلمة ألقيت في ندوة "نحو مستقبل مشترك"، التي عقدتها الحركة الوطنية السورية في مدينة حلب - سورية، بتاريخ 20 أيار/مايو 2026 الدكتور عبد القادر نعناع حياكم الله جميعاً في هذا الجميع الطيب، وهي فرصة لم تكن لولا هذا التغيير السياسي الكبير الذي حصل في بلادنا، وخلاصنا من نظام استبدادي شرس مكث على صدورنا عقوداً من الزمن، جرّف فيها كل أشكال الحياة السياسية، ودمر جزءاً مهماً من تاريخنا، مادياً ومعنوياً. نجتمع اليوم، باعتبارنا جزءاً من النخب السورية وخصوصاً في محافظة حلب، في محاولة جادة لتنشيط الحياة السياسية كما أملها آباؤنا المؤسسون للجمهورية، متصدرين المسؤولية التاريخية التي تواجهنا، باعتبارنا وكلاء المستقبل السوري، ومدركين أهمية تعاضدنا جميعاً في إنتاج هذا المستقبل، والتصدي لأية نكسات قد تحيق بمستقبلنا، سواءً أكانت نكسات باتجاه الاستبداد، أو الاقتتال، أو الانهيار. إن ما لحق بنا من تدمير للحياة السياسية والحياة المادية وما يرتبط بهما، يضعنا أمام مسؤولية إعادة البناء الفكري إلى جانب المادي. وحتى نكون مدركين لحجم المخاطر التي سنواجهها، علينا أن ندرك أن أي مسار للتنمية السياسية سيواجه أزمات عديدة. وقد خلصت كل التجارب التي سبقتنا إلى أن حل أزمة الهوية هو المدخل الأكثر أهمية في حل باقي الأزمات. يعتبر المجتمع السوري مجتمعاً معقد البنية الهوياتية دينياً مذهبياً وأقوامياً، بل ويمكن أن يمتد إلى الهويات الثقافية أيضاً. هذا التنوع الذي كان يُفتَرض به أن يكون مصدر غنى حقيقي للثقافة السياسية السورية. عوضاً عن ذلك تحول إلى إشكالية مركبة ومتراكمة طيلة عقود تاريخنا المعاصر، وهي إشكالية نراها "معنّدة" ومتوارّثة، بمعنى أنّها منذ أن نشأت ما تزال متفاعلة حتى تاريخ اللحظة هذه. فهي إشكالية تتعلّق بالدولة السورية، وبالتعدّد الإثني، وبصناعة المواطنة، وبالبحث عن عقد اجتماعي يعيد للمجتمع ارتباطاته ببعضه البعض. وهي إشكالية تضاعفت مع هيمنة التسلطية (أي نتيجة أدوار السلطة الاستبدادية)، وما تزال مرتبطة بإشكاليات أيديولوجية سابقة ولاحقة، لتبقى بحاجة إلى برنامج حلٍّ تشاركي حكومي ونخبوي واجتماعي، لتشكيل عقد اجتماعي يراعي تطلعات التنوّع الثقافي السوري. طبياً، الإقرار بالمشكلة وتوصيفها ومعرفة التاريخ المرضي، هي بداية مهمة في مسار العلاج، وهي مسؤوليتنا المشتركة في توصيف هذه المشكلة أولاً. من هنا، أطرح دائماً، فكرة الأسئلة الثلاثة تمهيداً لحلها: من نحن؟ ولماذا علينا أن نعيش في ذات الكيان الجغرافي؟ وكيف لنا أن نفعل ذلك؟ وهي أسئلة تأسيسية تحيلنا إلى الإقرار بالوجود المشترك المتساوي لكل مكونات المجتمع السوري أفراداً وجماعات. ثم البحث في رابط هذا الوجود، وهو الرابط السوري الحديث، الذي يخرجنا من أزمة وجودنا التاريخي والإثني، ويحيلنا إلى مواطنين ذوي ثقافة عليا مشتركة، ومصالح لا تتم إلا بالتشارك فيما بيننا. هذان السؤالان يؤسسان لانتقالنا جميعاً نحو البحث في بناء عقد اجتماعي يضمن لنا السؤالين السابقين، ويؤسس لنا مستقبلنا المنشود. والمقصود بذلك، أن علينا الإقرار بجملة من الاشتراطات الأولية التي نحمل مسؤوليتها، والتي تنتج مواطناً سورياً مسؤولاً من جهة، وعقلانياً من جهة ثانية. عبر التوزيع المتساوي: - للحقوق والحريات الأساسية، وأبرزها: حريات التعبير والاعتقاد والمشاركة السياسية. - وللفرص المتكافئة في المناصب والوظائف والتعليم. - والمساواة في فرص تحقيق الدخل والثروة. - والمساواة في السلطات والصلاحيات، من خلال إحداث قدر متساوٍ من التأثير والمشاركة في الحياة السياسية، وهو ما سنُعبِّر عنه بالديموقراطية. - ومن ثم توفير الأسس المتساوية لاحترام الذات، بأن يشعر كل سوري منا أن له ذات القيمة والكرامة المعترف بها. وهذا يتطلب اشتراطاً آخر، يتمثل في قيام مؤسسات الدولة على مسافة واحدة من كل الأفراد والجماعات، حتى نضمن أن تكون المساواة حقيقية فيما بيننا. وهي المساواة في القيمة والكرامة والحرية والتأثير السياسي. وهذا يحيلنا إلى اشتراط إضافي، يتمثل في حضور البعد الاجتماعي في كل هذه الاشتراطات، أي العدالة بكل أشكالها. تتأسس هذه الاشتراطات في عقد اجتماعي ننتجه جميعاً، يُعبَّر عنه في دستور ونظام اقتصادي ونظام سياسي، ونظام حزبي وانتخابي يضمن استمرار هذه الاشتراطات. تقود هذه الاشتراطات، إلى الانتقال من الاحتماء بالجماعة إلى الثقة بالدولة والمواطنة السورية كهوية جامعة مقبولة ومتفق عليها وضامنة لحقوق الأفراد والجماعات، وفي ذات الوقت يضمن للجماعة خصوصيتها باعتبارها مكوناً لهذه الهوية الأعلى. حيث أن البحث في هوية دون الهوية الوطنية، كان جزءاً من آليات الحماية التي لجأ إليها الكثير في ظل الاستبداد والثورة والحرب، فإن استمرارها اليوم لا يمكن أن يكون مقبولاً بهذا الشكل. ولكل ثقافة، رغم ما تشمله من غنى وتنوع، إطاراً عاماً يضمها جميعاً، ونحن هنا نقصد الإطار الإسلامي باعتباره إطاراً ثقافياً حضارياً تاريخياً لا إطاراً دينياً إقصائياً للتعديد الديني في بلادنا. والإطار العربي باعتبارها وعاءً لغوياً سياسياً حضارياً، لا لغة إقصائية للتعدد اللغوي في بلادنا. إن الوصول إلى هذا الهدف الأسمى، لن يكون في متناولنا تلقائياً، بل سيكون نتيجة إيماننا جميعاً به، واشتغالنا الحثيث على إنتاجه، بما يتفق مع خصوصيتنا السورية من جهة، ومع إدراكنا لضرورة انخراطنا الحضاري العالمي. وهنا نعتقد أن ذلك ممكن في ظل ثلاث أدوات رئيسة: الأولى هي الديموقراطية، ولا نقصد بها الديموقراطية التنافسية المعهودة في الدول الديموقراطية المستقرة، بل مع مراعاة الخصوصية السورية التي قد تحيلنا إلى أشكال أكثر مناسبة لنا، ومنها التداولية مثلاً، لكننا نحتاج إلى تقديم تدريجي لها عبر انتقال ديموقراطي، حيث أنها السبيل للمساواة السياسية بيننا كمواطنين سوريين من جهة، وتجعلنا مسؤولين ومراقِبين لمستقبلنا المشترك من جهة ثانية. وثانيها العدالة، والتي تحيلنا إلى أمرين بالغي الأهمية، فمن خلال العدالة الانتقالية الحقيقية نكون قادرين على تجاوز آلام الماضي والخروج من المظلوميات العديدة والقدرة على التسامح والمشاركة في إنتاج المستقبل. ومن خلال العدالة الاجتماعية نضمن ارتقاء كل المواطنين وقدرتهم على المشاركة المسؤولة. وثالثها، اللامركزية، وقد يختلف الفهم أو التصور لها، لكننا نقصد مراعاة الثقافات الفرعية والمجتمعات المحلية، وإعطاءها الفرصة الحقيقية لإدارة شؤونها بما يضمن استقرار البلاد وفعالية المواطنين ومسؤوليتهم وقدرتهم على صيانة مستقبلنا. في ختام هذه المداخلة، أكرر فكرتي الرئيسة، بأن ما طرحته هي خطوط عامة وإرشادية، كلي أمل أن نتحاور حولها باعتبارنا نخب هذا المجتمع، وأن نجد من خلالها سبيلنا نحو مستقبل مشترك، والاتفاق على قواعد العمل السياسي، وبناء الثقة المشتركة فيما بيننا.

د. عبد القادر نعناع أستاذ العلوم السياسية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية تعمد الدول في مرحلة الانتقال الديموقراطي على إطلاق الحياة السياسية، من خلال حراكٍ حزبي ومجتمعي يعزّز من تنظيم قوى المجتمع، ويخلق بيئات سياسية مناسبة للحوار المتبادل، وبما يهدف للوصول إلى عقد اجتماعي تشاركي يضمن بناءً سلمياً لمستقبل للدولة. وخصوصاً أن ما يجري في المراحل الانتقالية يُعتبر مؤشراً لما سيجري بعدها، وهو ما تحتاجه سورية في هذه المرحلة من تاريخها، رغم جملة من التحديات التي تواجه هذه العملية. إذ شهدت سورية منذ الوحدة مع مصر عملية تجريف للحياة السياسية بشكل كامل. ورغم محاولات العودة المتكرّرة التي حصلت بعد الانفصال، لكن هيمنة البعث والنزاعات التي حصلت في داخله أولاً، واستبداديته لاحقاً، قضت على أية إمكانية للعمل السياسي في سورية، بعد أن كانت من أكثر الدول العربية نشاطاً سياسياً منذ مطلع القرن العشرين. وقد أثّر ذلك في مسار إدارة المصالح المتباينة في سورية، لينقلها من حالتها السلمية المعتادة إلى حالة المواجهة المباشرة بالغة العنف في مراتٍ عدّة أبرزها في ثمانينات القرن العشرين ثم إبان الثورة السورية بعد عام 2011، مع أشكال متعدّدة من العنف السلطوي منخفض الحدّة (ملاحقة حراك ربيع دمشق، اعتقالات سياسية متفرقة، مواجهات 2003، قمع حراك 2004). لذا، يُشكّل سقوط نظام الأسد فرصة تاريخية أو "معجزة" سياسية، تُحتّم علينا استعادة الحياة السياسية السورية، بأدواتها السلمية، والضامنة لمنع عودة أية أشكال استبدادية، ولإدارة مصالحنا وتوجهاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتباينة سلمياً. ونقصد بأنها فرصة تاريخية، بمعنى أنها مَدخَلٌ مهّمُ لتصحيح الانحراف التاريخي الطويل الذي مُنِيت به سورية، وإعادة تأسيس الديموقراطية على ما عرّفها الآباء المؤسسون للدولة السورية، وفي مقدمتها: حرية التعبير والتنظيم والترشيح والانتخاب، وما ينبني عليها من مسؤولية تشاركية بين السلطة والمعارضة والمجتمع المدني والمواطنين، في ضمان هذا المستقبل، عبر إحداث آليات رقابة إيجابية تضمن عدم انحراف السياسات العامة نحو مصالح ضيقة أو استبدادية. وفي هذا السياق، يُعتبر الحزب أداة سياسية ضرورية في الدولة الحديثة لإدارة النزاعات وتناقضات المصالح سلمياً، فهو البديل الحقيقي عن العنف السلطوي أو العنف المجتمعي، أي أنه البيئة الأكثر مناسبة لقيادة عمليات التفاوض والتساوم والتحالف السياسي بين النخب (وهذه هي السياسة في أحد معانيها)، بما يضمن مصالح الجميع، بشكل سلمي. وهو أداة النخبة في التعبير عن مصالح الفئات الاجتماعية التي تمثلها، أي أن العمليات التفاوضية التي تجريها الأحزاب، إنما تجريها بالنيابة عن المجتمع ككل، لضمان مصالحه. وبالأساس، لا يمكن إحداث انتقال ديموقراطي حقيقي دون هذه المساواة أو التسويات النخبوية التي تقرر شكل الدولة ونظامها السياسي والاقتصادي وهويتها وآليات إدارتها، بشكل يضمن ضمان استمرارية هذه المخرجات وعدم تهديم هذا البنيان كلما وصلت قوى جديدة للسلطة. وبمناسبة ذلك، فإن للحزب وظائف كثيرة تساعد في الاستقرار السياسي وإحداث الانتقال الديموقراطي، فالحزب أولاً، هو بوابة للمشاركة السياسية. وحيث أننا في سورية، دولة خارجة من نزاع مسلح وعقود من الاستبداد، فإننا بحاجة ماسة إلى إطلاق مسار تنمية سياسية شاملة، لكنه سيواجه أزمات عديدة، من أبرزها أزمة المشاركة السياسية، في مجتمع بالغ التسيس وخصوصاً في العقدين الماضيين، وحيث أن السلطة وحدها غير قادرة على استيعاب مشاركة كل الأطياف السياسية داخلها، فإن الأحزاب تتيح مجالات أوسع بكثير لإطلاق هذه المشاركة. وما يدفع الأفراد المسيسين لهذه المشاركة الحزبية ثانياً، أن الحزب إنما هو البيئة التنظيمية التي تجمع مصالح المواطنين (أو فئات منهم)، وتعيد صياغتها، وتعبر عنها. كما يمثل الحزب القناة الرسمية المنظمة للتواصل مع السلطة والتفاوض معها حول هذه المصالح، والدفاع عنها. وللحزب أيضاً أدوار مهمة في التنشئة السياسية ثالثاً، أي نشر الوعي السياسي، عبر التنظيم والندوات والحوارات والتثقيف. وهذه بعض من أهم وظائف الحزب الواسعة. لا يعني ذلك أن التجربة الحزبية السورية ستكون سهلة في المرحلة القادمة، أو مستقرة كما في الدول ذات الديموقراطيات المترسخة. فهناك الكثير من التحديات التي تفرض ذاتها علينا في عملية إطلاق الحياة السياسية والحزبية، من أبرزها قيود إجرائية تتمثل في غياب نظام حزبي (قوانين تسجيل الأحزاب، وتمويلها)، وبالتالي غياب نظام انتخابي، وهما نظامان متصلان، يحدّد شكلهما مستقبل الحياة الحزبية والسياسية في سورية. إلى جانب قيود بنيوية وسياسية متمثلة في ضعف مؤسسات الدولة وعدم حيادها وسيطرة البيروقراطية عليها، بل وهيمنة السطلة التنفيذية في المرحلة الانتقالية على العملية السياسية، وضعف البنية التحتية الحزبية. ويضاف إلى ذلك ثالثاً قيود ثقافية وهوياتية تتمثل في ضعف الثقافة التنظيمية والحزبية لفئات واسعة من المجتمع السوري، وحضور الإرث الثقافي السلطوي في كثير من الأحيان، إلى جانب ما ورثناه من انقسامات طائفية وعرقية ما تزال تتحكم في المشهد الهوياتي السوري. تعتبر هذه التحديات نتيجة حتمية لدولة شهدت عقوداً طويلة من الاستبداد انتهت بعد ثورة مسلحة تدخلت فيها قوى داخلية وخارجية عديدة. وهذا يعني أن العبء أكبر على النخب السياسية وعلى السطلة الانتقالية في الدفع معاً نحو التأسيس لحياة سياسية سلمية ومستقرة، وذلك على قاعدة تأسيسية بالغة الأهمية: وهي أن الخراب الحاصل في سورية (على كافة الصعد) لا يمكن لجهة منفردة إدارته، بل هو خراب تاريخي يحتاج إلى كتلة وطنية تاريخية قادرة على التآلف فيما بينها للخروج منه. وما غياب هذا العمل، إلا نذير خطر يتهدد مستقبلنا السياسي، دافعاً هذا المستقبل نحو خيارات متطرفة بالكاد تجاوزناها سواءً كانت العودة إلى إدارة مصالحها المتنوعة داخل المجتمع عنفياً، أو أن يكون هذا الغياب فراغاً تملؤه قوى تسلطية تعيد إنتاج الاستبداد السياسي مرة أخرى. لذا، هي مسؤولية كل النخب السورية –الحكومية وغير الحكومية– بكل تكويناتها السياسية والهوياتية، أن تعمل على إنتاج حياة سياسية متنوعة وتشاركية وسلمية، تضمن استعادة سورية لنهضتها، وتؤسس لمسار ديموقراطي حقيقي. منشور في مجلة الوعي السوري الصادرة عن الحركة الوطنية السورية في عددها 40، أيار/مايو 2026، ص 18-21

جون هيغلي (جامعة تكساس/هيوستن)، وميشيل بورتون (كلية لويولا/ميرلاند) ترجمة: عبد القادر نعناع (جامعة الشام العالمية/حلب) ملخص البحث تعتمد النظم الديمقراطية المستقرة اعتمادًا كبيرًا على ما يُسمّى بـ "الوحدة التوافقية" للنخب الوطنية. فطالما ظلت النخب منقسمة، تبقى النظم السياسية غير مستقرة، وهي حالة تجعل من التحولات الديمقراطية والانهيارات الديمقراطية مجرد تذبذبات مؤقتة في الأشكال التي تتخذها النظم غير المستقرة. ويبدو أن الانقسام هو الحالة العامة السائدة بين النخب الوطنية، كما يميل هذا الانقسام بقوة إلى الاستمرار بغضّ النظر عن التطور الاجتماعي-الاقتصادي أو غيره من التغيرات التي تطرأ على جماهير السكان. أما النخب المتوافقة والمتحدة، الضرورية لقيام ديمقراطيات مستقرة، فلا تتشكل إلا بطرق محدودة، من أهمها طريقتان تنطويان على تحولات نخبويّة مميّزة. بعد توضيح هذا الطرح، سنفحص العلاقة بين النخب والأنظمة السياسية في دول الغرب منذ بدء عملية تماسكها بعد عام 1500. ونُبيّن أن مقاربتنا تقدّم تفسيرًا منطقيًا ومتماسكًا للسجل السياسي الغربي، وتسهم بدرجة كبيرة في توضيح آفاق قيام ديمقراطيات مستقرة في المجتمعات النامية اليوم، كما تجعل التحليل متزايد التركيز على النخب في دراسة التحولات والانهيارات الديمقراطية أكثر منهجية وانتظامًا. للعودة إلى النص الأصلي: John Higley and Michael G. Burton, “The Elite Variable in Democratic Transitions and Breakdowns,” American Sociological Review, Vol. 54, No. 1 (February 1989), pp. 17–32. لتنزيل الدراسة

مصطفى العلي ود. عبد القادر نعناع تشكل هذه الدراسة المحكمة بحثاً أكاديمياً قدمه مصطفى العلي تحت إشراف د. عبد القادر نعناع، لاستكمال متطلبات مناقشة رسالة الماجستير. وقد نشر هذا البحث في مجلة جامعة الزيتونة الدولية في عددها 42، المجلد الثاني، بتاريخ كانون الثاني/يناير 2026. شهدت الحروب في التاريخ المعاصر تحوّلاً نوعيّاً في طبيعتها وأدواتها، حيث تراجعت أنماط المواجهة التقليديّة المباشرة بين الجيوش النظاميّة لصالح أنماط غير تقليديّة من الصراعات، وعلى رأسها الحروب بالوكالة. وقد ارتبط هذا التحول بارتفاع الكلفة المادية والبشرية للحروب التقليديّة، وبالقيود القانونيّة والسياسيّة التي تحدّ من قدرة الدول على الانخراط المباشر في النزاعات، مما دفع العديد من الفاعلين الدوليين إلى البحث عن أدوات بديلة لتحقيق أهدافهم الاستراتيجيّة. في هذا الإطار، برزت الحرب بالوكالة كآلية فعّالة لإدارة النزاعات دون تحمّل تبعات التدخّل المباشر. فهي تمنح القوى الإقليميّة والدوليّة قدرة على التأثير في مسارات النزاعات الداخليّة من خلال وكلاء محليين كالميليشيات، ما يتيح تحقيق المكاسب بأقل الخسائر الممكنة. كما تسهم هذه الحروب في إعادة تشكيل توازنات القوى على المستويين الإقليمي والدولي، إذ يتحول النزاع المحلي إلى ساحة لتقاطع المصالح بين أطراف متعددة، وتصبح إدارة الوكلاء أداة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى. وتُعدّ إيران نموذجاً بارزاً في توظيف الحرب بالوكالة كأداة لإعادة صياغة توازن القوى الإقليمي. فمنذ ثمانينيات القرن العشرين، تبنّت طهران استراتيجية تقوم على بناء شبكة من الوكلاء العقائديين والمسلّحين في مناطق عدّة من الشرق الأوسط، بهدف توسيع مجالها الحيوي وتعزيز نفوذها خارج حدودها. وقد تجسّد هذا النهج بأوضح صوره في الحرب السورية منذ عام 2011، حيث رأت إيران في بقاء نظام الأسد ضرورة لحماية مصالحها الإقليمية، فدعمت النظام سياسياً واقتصادياً وعسكرياً عبر وكلائها، وفي مقدمتهم حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية والباكستانية. وبذلك، تحوّلت الساحة السورية إلى ميدان مركزي لإعادة ضبط توازن القوى عبر الوكلاء، بحيث أصبحت إيران فاعلاً حاسماً في توجيه مسار الصراع الإقليمي، مستخدمة أدوات غير مباشرة لإدامة نفوذها وتثبيت حضورها الاستراتيجي. للاطلاع على البحث، على الرابط التالي

مراجعة/ نور عباس يمثل كتاب "الاجتياح الفارسي للعالم العربي: دراسات في التدخلات الإيرانية في العالم العربي بعد عام 2011" للدكتور عبد القادر نعناع محاولة جادة لفهم التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة العربية في العقد الأخير، من زاوية الدور الإيراني المتنامي، إذ لا يقتصر الكتاب على توصيف التدخلات الإيرانية في الدول العربية، بل يسعى إلى تحليل محددات السياسة الخارجية الإيرانية، ورصد أدواتها، وقراءة انعكاساتها على الأمن القومي العربي وعلى التوازنات الإقليمية والدولية. تأتي أهمية هذا العمل من كونه يتناول مرحلة مفصلية في التاريخ العربي الحديث، حيث تزامن اندلاع الثورات العربية مع صعود المشروع الإيراني إلى ذروة نفوذه، مستفيدًا من انهيار بعض الدول، ومن هشاشة أخرى، ومن فراغ استراتيجي تركته القوى الدولية. بهذا المعنى، يشكّل الكتاب مرجعًا لفهم كيف تحوّلت إيران من لاعب إقليمي محدود التأثير إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل خرائط النفوذ في المشرق والخليج واليمن، بل ومحاولة مدّ نفوذها إلى شمال أفريقيا. محددات السياسة الخارجية الإيرانية يبدأ المؤلف بتفكيك البنية النظرية التي تحكم السياسة الخارجية الإيرانية، موضحًا أن هذه السياسة ليست مجرد رد فعل على الأحداث، بل هي مشروع استراتيجي طويل الأمد يقوم على مزيج من الأيديولوجيا والمصلحة. فالعوامل الداخلية، مثل طبيعة النظام السياسي القائم على ولاية الفقيه، ودور الحرس الثوري كفاعل عسكري واقتصادي، والاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية، كلها تشكّل قاعدة صلبة لصناعة القرار. أما العوامل الخارجية فتتمثل في البيئة الإقليمية والدولية، حيث تنظر إيران إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لمجالها الحيوي، وتسعى إلى موازنة نفوذ الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. كما يولي المؤلف اهتمامًا خاصًا للمحددات الدينية والمذهبية التي توظفها إيران كأداة نفوذ، وللمحددات التاريخية والجغرافية التي تجعل من الخليج العربي والعراق وسوريا ساحات مركزية في استراتيجيتها. التدخلات الإيرانية في الساحات العربية ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى دراسة معمقة لكل ساحة عربية على حدة، محللًا طبيعة التدخل الإيراني فيها. ففي العراق، يوضح كيف تحوّل البلد بعد 2003 إلى ساحة نفوذ إيراني مباشر، عبر الميليشيات والأحزاب السياسية والاقتصاد، وصولًا إلى مرحلة ما بعد "داعش" حيث عززت إيران حضورها العسكري والسياسي. أما في سوريا، فيخصص المؤلف فصلين لتطور السياسة الإيرانية قبل 2011 وبعد اندلاع الثورة. يبين كيف تحوّل التدخل من دعم سياسي للنظام إلى تدخل عسكري مباشر عبر الحرس الثوري و"حزب الله"، وكيف أصبح الوجود الإيراني عنصرًا حاسمًا في بقاء النظام السوري. في لبنان، يبرز الكتاب دور "حزب الله" كأداة مركزية للنفوذ الإيراني، وكيف أصبح لبنان قاعدة متقدمة للمشروع الإيراني في المشرق، ليس فقط عسكريًا بل أيضًا سياسيًا واجتماعيًا. وفي اليمن، يناقش صعود الحوثيين والدعم الإيراني لهم، وتحول اليمن إلى ساحة صراع إقليمي بين إيران والسعودية، بما لذلك من انعكاسات على أمن الخليج والممرات البحرية. كما يتناول الكتاب سياسات إيران تجاه دول الخليج العربي، من البحرين والسعودية والكويت والإمارات وقطر وعُمان، مبرزًا أدواتها الناعمة والخشنة في محاولة اختراق هذه الدول. وفي فلسطين، يوضح كيف وظفت إيران القضية الفلسطينية لتعزيز شرعيتها الإقليمية عبر دعم حركات المقاومة، مقدمة نفسها كحامية للقضية في مواجهة إسرائيل. أما في المغرب العربي، فيعرض محاولات إيران مد نفوذها إلى شمال أفريقيا عبر البعد المذهبي والدبلوماسي، وإن كان ذلك بمدى أضيق مقارنة بالمشرق. البعد الإسرائيلي والدولي يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا لتطور الفكر الإسرائيلي تجاه إيران بعد الاتفاق النووي عام 2015 وبعد الثورات العربية. يوضح كيف رأت إسرائيل في إيران تهديدًا استراتيجيًا وجوديًا، وكيف انعكس ذلك على سياساتها الأمنية والعسكرية، وعلى تحالفاتها الإقليمية. كما يناقش التوازنات الدولية، من الموقف الأمريكي الساعي إلى احتواء إيران عبر العقوبات والضغوط، إلى الدور الروسي الذي استفاد من التحالف مع طهران في سوريا لتعزيز نفوذه في الشرق الأوسط. لماذا من الضروري قراءة الكتاب؟ تكتسب قراءة كتاب "الاجتياح الفارسي للعالم العربي: دراسات عن التدخلات الإيرانية في العالم العربي بعد عام 2011" أهمية مضاعفة في السياق السوري الراهن، لأن سوريا تمثل إحدى الساحات المركزية التي تناولها المؤلف بعمق، ولأنها تشكّل النموذج الأوضح لتجسيد الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة. أول ما يجعل الكتاب ضروريًا في الحالة السورية هو أنه يقدّم إطارًا تحليليًا لفهم طبيعة التدخل الإيراني في سوريا منذ عام 2011. فلم تكن التجربة السورية مجرد دعم سياسي أو دبلوماسي من طهران للنظام، بل تحوّلت إلى تدخل عسكري مباشر عبر الحرس الثوري و"حزب الله"، وإلى حضور اقتصادي واجتماعي وثقافي متنامٍ. أي تساعد قراءة الكتاب في إدراك أن هذا التدخل لم يكن طارئًا، بل جزءًا من مشروع استراتيجي طويل الأمد يهدف إلى جعل سوريا حلقة أساسية في "محور النفوذ الإيراني" الممتد من طهران إلى بيروت. ثانيًا، لأن الكتاب يربط بين المحددات الداخلية للنظام الإيراني وبين سياساته الخارجية، وهو ما يتيح فهم دوافع طهران في سوريا. فالتدخل لم يكن فقط لحماية حليف سياسي، بل أيضًا لحماية مشروع أيديولوجي قائم على توظيف البعد المذهبي، ولتعزيز موقع إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا الربط يساعد السوريين على قراءة ما يجري في بلدهم ضمن سياق أوسع يتجاوز حدود الصراع الداخلي. ثالثًا، لأن الكتاب يضع التدخل الإيراني في سوريا ضمن خريطة التدخلات الإقليمية والدولية، فيوضح كيف تداخل الدور الإيراني مع الدور الروسي، وكيف أثار قلق إسرائيل، وكيف شكّل تحديًا مباشرًا لدول الخليج. هذه القراءة المقارنة تمنح السوريين فهمًا أعمق لموقع بلدهم في قلب صراع إقليمي ودولي معقّد، وتفسر لماذا تحوّلت سوريا إلى ساحة تنافس مفتوح بين قوى متعددة. رابعًا، لأن الكتاب يقدّم بدائل فكرية لفهم المستقبل. فهو يذكّر بأن التدخلات الخارجية، مهما بلغت قوتها، لا يمكن أن تستمر دون بيئة داخلية هشّة تسمح بها. ومن هنا، فإن قراءة الكتاب في سوريا تفتح النقاش حول كيفية إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، قادرة على إدارة التنوع المجتمعي، وتحصين البلاد من أن تكون ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين. إن الضرورة الحقيقية لقراءة هذا الكتاب في سوريا تكمن في أنه يوفّر عدسة تحليلية لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. فهو يكشف كيف تحوّلت سوريا إلى محور رئيسي في المشروع الإيراني، ويضع هذا التحول في سياق إقليمي ودولي أوسع، ويذكّر بأن أي حل مستقبلي للأزمة السورية لا يمكن أن يتجاهل هذا البعد. بهذا المعنى، يصبح الكتاب ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل أداة لفهم الذات السورية في زمن التدخلات، ومفتاحًا للتفكير في كيفية استعادة القرار الوطني وبناء عقد اجتماعي جديد. ختامًا، يقدّم كتاب "الاجتياح الفارسي للعالم العربي" للدكتور عبد القادر نعناع قراءة معمّقة وموثقة لمشروع إقليمي بالغ التعقيد، استطاع أن يفرض نفسه على المشهد العربي منذ عام 2011 بوصفه أحد أبرز محددات الصراع والتحولات في المنطقة. ومن خلال الجمع بين التحليل النظري لمحددات السياسة الخارجية الإيرانية والدراسة التطبيقية لتدخلاتها في مختلف الساحات العربية، يضع المؤلف بين يدي القارئ مرجعًا لا غنى عنه لفهم طبيعة هذا المشروع وأبعاده. تكمن قيمة الكتاب في أنه لا يكتفي بتوصيف الوقائع، بل يسعى إلى تفسيرها وربطها بسياقاتها التاريخية والسياسية والفكرية، الأمر الذي يمنحه بعدًا تحليليًا يتجاوز حدود السرد إلى مستوى الاستشراف. وهو بذلك يفتح أمام الباحثين وصنّاع القرار والمثقفين العرب أفقًا لفهم التحديات التي تواجه المنطقة، ويذكّر بأن مواجهة التدخلات الخارجية لا يمكن أن تنجح من دون معالجة مواطن الضعف الداخلية التي تجعل الدول العربية عرضة للاختراق. في السياق السوري على وجه الخصوص، يكتسب الكتاب أهمية مضاعفة، إذ يقدّم إطارًا لفهم كيف تحوّلت سوريا إلى ساحة مركزية في الاستراتيجية الإيرانية، وكيف تداخل هذا الدور مع حسابات القوى الإقليمية والدولية الأخرى. ومن هنا، فإن قراءة هذا العمل لا تمثل مجرد اطلاع على دراسة أكاديمية، بل هي خطوة ضرورية لفهم الذات السورية والعربية في زمن التحولات الكبرى، وللتفكير في سبل استعادة القرار الوطني وبناء عقد اجتماعي جديد قادر على تحصين الدولة والمجتمع. إن هذا الكتاب، بما يحمله من عمق وجرأة وشمولية، يظلّ علامة فارقة في الدراسات العربية المعاصرة حول إيران ودورها في المنطقة، ومرجعًا لا غنى عنه لكل من يسعى إلى قراءة الحاضر بوعي واستشراف المستقبل ببصيرة. نقلاً عن أوسكار نيوز
نور عباس يشكّل كتاب "تفكيك الأمم: جدل في النزعات الانفصالية وإدارتها" للدكتور عبد القادر نعناع إسهامًا علميًا رصينًا في حقل الدراسات السياسية والاجتماعية، حيث يقدّم معالجة معمّقة لإحدى أكثر القضايا إلحاحًا في عالم اليوم: مسألة الانفصال والهويات الفرعية في ظل الدولة القومية الحديثة. ينطلق المؤلف من خلفية أكاديمية متينة، إذ يمزج بين التأسيس النظري المستند إلى مدارس الفكر السياسي والاجتماعي الكبرى، وبين التحليل النقدي للواقع العربي الذي يرزح تحت أزمات الهوية والانقسام. لا يكتفي الكتاب بوصف الظاهرة، بل يسعى إلى تفكيك بنيتها الداخلية، وإبراز العوامل التي تغذيها، سواء كانت داخلية مرتبطة بالوعي الجمعي والنخب واللغة والجغرافيا، أم خارجية مرتبطة بالاحتلال والعولمة والتدخلات الدولية. ومن خلال هذا التشريح، يضع المؤلف القارئ أمام صورة مركبة، حيث الانفصال ليس مجرد خيار سياسي، بل هو نتاج تفاعل طويل بين التاريخ والهوية والسلطة. الإطار النظري وبنية المفاهيم يؤسس المؤلف عمله على مراجعة دقيقة للنظريات التي تناولت نشوء القوميات والهويات، إذ تفسر النظرية الماركسية القومية على أنّها انعكاس للبنية الاقتصادية وصراع الطبقات، بينما تنظر الليبرالية إلى القومية بوصفها نتاج الحرية الفردية وبناء الدولة الحديثة. أما نظريات العلاقات الدولية فتتعامل مع القومية بوصفها أداة في التوازنات والصراعات بين الدول. ويضيف المؤلف إلى ذلك المقاربة الإثنية الرمزية التي تركز على اللغة والرموز والذاكرة الجمعية، ونظرية التعددية الثقافية التي تطرح إمكانية إدارة التنوع داخل الدولة الواحدة عبر الاعتراف والتمثيل. من خلال هذا العرض، يوضح المؤلف أن القومية ليست حقيقة ثابتة، بل بناء اجتماعي وسياسي يتشكل عبر التاريخ. ومن هنا، يقدّم تعريفًا دقيقًا للنزعة الانفصالية باعتبارها حركة سياسية ومجتمعية ذات طبيعة إثنية، تقودها نخب داخل دولة قومية، لإعادة تعريف الذات في مواجهة الآخر، والسعي إلى إنشاء دولة – أمة مستقلة، باستخدام أدوات سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية، فيضع هذا التعريف الانفصال في سياقه الصحيح: ليس مجرد مطلب حقوقي، بل مشروع سياسي معقّد يتجاوز حدود الدولة إلى النظام الدولي. التجارب العالمية والأزمة العربية يستعرض الكتاب تجارب عالمية متباينة في التعامل مع النزعات الانفصالية، إذ أدى انهيار الاتحاد السوفيتي في أوروبا الشرقية إلى بروز كيانات جديدة، بعضها جاء عبر تقسيم سلمي كما في تشيكوسلوفاكيا، وبعضها عبر حروب أهلية دامية كما في يوغسلافيا. وفي أفريقيا، لعبت العوامل الاستعمارية والموارد الطبيعية دورًا محوريًا في إذكاء النزاعات الإثنية، كما في السودان وإثيوبيا وسيراليون. أما أوكرانيا فتمثل نموذجًا حديثًا لانقسام الهوية بين الشرق والغرب، وتدخل الفاعلين الدوليين في إعادة رسم الحدود. غير أن التجربة العربية تحمل خصوصيتها، فقد نشأت الدولة العربية الحديثة بحدود استعمارية، ما جعلها تحمل أزمتين متداخلتين: تقسيم الأمة العربية إلى كيانات صغيرة، وإدماج جماعات إثنية داخل حدود لم تُصمَّم لاحتوائها، وقد أنتج هذا نزاعات أهلية في لبنان والسودان واليمن والصومال، ومطالب انفصالية في جنوب السودان وكردستان العراق والصحراء الغربية. ومع اندلاع الثورات العربية عام 2011، عادت هذه الإشكاليات إلى الواجهة، حيث رأت الأقليات في الحراك الشعبي فرصة سياسية لتجديد مطالبها، سواء عبر الاحتجاج السلمي أم عبر العنف المسلح. ينتقد المؤلف الخطابات العربية التي تعاملت مع هذه الإشكاليات، فقد ظل الخطاب الإسلامي يتأرجح بين الشورى والديمقراطية، دون أن يقدّم صيغة واضحة لإدارة التنوع. أما الخطاب العلماني فطرح الدولة المدنية لكنه تجاهل البعد الإثني. وركز الخطاب القومي العربي على الوحدة لكنه فشل في إدارة التعدد الداخلي. أما الخطابات الأقلوية فسعت إلى تثبيت خصوصياتها لكنها اصطدمت بالسلطة المركزية. النتيجة أن جميع هذه الخطابات أسهمت في تفكيك الدولة بدلًا من ترسيخها، لأنها لم تقدّم نموذجًا ديمقراطيًا تشاركيًا قادرًا على إدارة التنوع. نحو إدارة ديمقراطية للتنوع في الفصول الأخيرة، ينتقل المؤلف من التشخيص إلى البحث عن حلول. وهنا، يطرح مجموعة من الآليات التي يمكن أن تسهم في إدارة التعددية الثقافية والإثنية بعيدًا عن خيار الانفصال. أول هذه الآليات هو الديمقراطية، التي يراها المؤلف شرطًا أساسيًا لإدارة التنوع. وهو يميز بين الديمقراطية التوافقية التي تقوم على إشراك جميع المكونات في السلطة، والديمقراطية التنافسية التي تقوم على تداول السلطة عبر الانتخابات، والانتقال الديمقراطي الذي يتيح للمجتمعات الانتقال من السلطوية إلى المشاركة. كما يناقش جدلية الحريات الفردية والجماعية، باعتبارها إحدى أهم التحديات في المجتمعات المتعددة. الآلية الثانية هي العدالة، التي يراها المؤلف حجر الزاوية في أي عقد اجتماعي جديد. فالعدالة الإثنية تقتضي الاعتراف بحقوق الجماعات المختلفة، والمساواة قد تحتاج أحيانًا إلى تفضيل إيجابي لتعويض الفوارق التاريخية. كما أن المشاركة السياسية والعدالة الانتقالية تشكلان أدوات أساسية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. أما الآلية الثالثة فهي الحكم اللامركزي، الذي يتيح للجماعات إدارة شؤونها المحلية ضمن إطار الدولة. يناقش المؤلف الفيدرالية والحكم الذاتي، ويعرض مزايا وعيوب الفيدرالية، ويستحضر نماذج مقارنة مثل أطروحات ويل كيمليكا حول التعددية الثقافية. ويخلص إلى أن اللامركزية قد تكون وسيلة للحفاظ على الدولة، إذا ما صُممت بطريقة تضمن المساواة في المواطنة وتمنع الانفصال. في ضرورة الكتاب يخلص الكتاب إلى أن الانفصال ليس حلًا للأزمات الإثنية، بل هو إعادة إنتاج لها في صورة جديدة، إذ سرعان ما ستظهر أقليات جديدة داخل الكيان المستقل. الحل يكمن في إدارة التنوع بعدالة وديمقراطية، عبر آليات تشاركية تعترف بالهويات وتمنحها حقوقها، دون أن تهدم الدولة. وتكمن القيمة الكبرى لهذا الكتاب في أنه يجمع بين التأسيس النظري والتحليل الواقعي، ويقدّم قراءة نقدية جريئة للخطابات العربية، ويضعها في سياق عالمي أوسع. وهو بذلك يشكّل مرجعًا مهمًا للباحثين في قضايا القومية والهويات والانفصال، ولصنّاع القرار الذين يواجهون تحديات إدارة التنوع في مجتمعاتهم. وتكتسب قراءة كتاب "تفكيك الأمم: جدل في النزعات الانفصالية وإدارتها" أهمية خاصة في السياق السوري الراهن، لعدة اعتبارات متشابكة تجعل من أطروحاته أكثر من مجرد دراسة نظرية، بل أداة لفهم الواقع السوري وتفكيك تعقيداته. أولًا، لأن سوريا تمثل نموذجًا حيًا للدولة التي نشأت بحدود استعمارية لم تراعِ التكوينات الإثنية والدينية والمذهبية داخلها. هذا ما جعلها عرضة منذ نشأتها لأزمات هوية متراكمة، تفاقمت مع ضعف الدولة المركزية وتراجع قدرتها على إدارة التنوع. الكتاب يقدّم إطارًا نظريًا يساعد على فهم كيف تتحول هذه التباينات إلى نزعات انفصالية أو مطالب حكم ذاتي، وكيف يمكن أن تُدار بآليات ديمقراطية وعدلية بدلًا من القمع أو التفكك. ثانيًا، لأن التجربة السورية منذ عام 2011 أعادت طرح كل الأسئلة التي يناقشها الكتاب: شكل الدولة، طبيعة الحكم، موقع الهويات الفرعية، وحدود الانتماء الوطني. فالحراك الشعبي وما تلاه من صراع مسلح كشف هشاشة العقد الاجتماعي السوري، وأبرز مطالب مكونات إثنية كالأكراد، إلى جانب بروز خطابات طائفية وجهوية. قراءة الكتاب في هذا السياق تتيح فهم هذه الظواهر ضمن إطار أوسع، يربطها بالتجارب العالمية ويضعها في سياق تاريخي وسياسي متكامل. ثالثًا، لأن الكتاب يقدّم بدائل عملية لإدارة التنوع، مثل الديمقراطية التوافقية، والعدالة الانتقالية، والحكم اللامركزي. هذه الأدوات ليست بعيدة عن النقاش السوري الحالي حول مستقبل الدولة، بل تمثل خيارات مطروحة في أي عملية سياسية أو دستورية مقبلة. ومن هنا، فإن استيعابها نظريًا ومقارنتها بتجارب أخرى يمنح السوريين – نخبًا ومجتمعًا – أدوات فكرية لتجنب إعادة إنتاج الصراع. رابعًا، لأن المؤلف يبيّن أن الانفصال ليس حلًا نهائيًا، بل قد يفتح الباب أمام أزمات جديدة، إذ سرعان ما تظهر أقليات داخل الكيانات المستقلة. هذه الفكرة بالذات ذات صلة مباشرة بسوريا، حيث أي تقسيم محتمل لن يحلّ المشكلة، بل سيعيد إنتاجها في كيانات أصغر، ما يجعل من إدارة التنوع داخل الدولة الواحدة خيارًا أكثر واقعية واستدامة. إن أهمية قراءة هذا الكتاب في السياق السوري تكمن في أنه يوفّر عدسة تحليلية لفهم جذور الأزمة، ويقدّم خريطة فكرية للخيارات الممكنة، ويذكّر بأن الحل لا يكمن في الانفصال أو القمع، بل في بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمشاركة والاعتراف بالهويات. بهذا المعنى، يصبح الكتاب ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل مساهمة في النقاش السوري حول مستقبل الدولة والمجتمع. منقول عن موقع أوسكار نيوز 24/10/2025

